
تعرف على القصة الصادمة لتجربة الدنماركيين الصغار، حيث تم اختطاف أطفال من جرينلاند عام 1951 لمسح هويتهم في واحدة من أبشع عمليات الهندسة الاجتماعية
Little Danes experiment
المقدمة الصادمة: صرخة مكتومة في القطب الشمالي
في صبيحة يوم قارس البرودة من شهر مايو عام 1951، كانت الرياح تعوي بشراسة عبر ميناء ‘نوك’ في جرينلاند، حاملة معها رائحة الملح وصقيع المحيط المتجمد الذي يخترق العظام. هناك، على متن السفينة الفولاذية الضخمة ‘إم إس ديسكو’ (MS Disko)، وقفت الطفلة ‘هيلين ثيسن’ ذات السبعة أعوام، تتشبث بالسياج المعدني البارد الذي أدمى أصابعها الصغيرة. كانت عيناها البريئتان مغرورقتين بالدموع وهي ترمق والدتها الأرملة الواقفة على الرصيف، والتي كانت تتلاشى شيئاً فشيئاً مع ابتعاد السفينة وتهشم أمواج المحيط على جانبيها. لم تكن هيلين تدرك حينها أن زمهرير ذلك اليوم لن يغادر جسدها أبداً، بل سيستقر في قلبها للأبد، وأنها برفقة 21 طفلاً آخرين من شعب الإنويت (السكان الأصليين)، كانوا يُمثلون أحجار شطرنج مسلوبة الإرادة في تجربة اجتماعية قاسية ومريبة عُرفت تاريخياً باسم ‘تجربة الدنماركيين الصغار‘ (The Little Danes Experiment).
لم تكن تلك الرحلة البحرية مجرد انتقال جغرافي من بقعة لأخرى، بل كانت عملية اقتلاع وحشي لجذورهم، ووأد مُمَنهج لهويتهم الثقافية، وتدشيناً لواحدة من أكثر فصول التاريخ الاستعماري قتامة.
جذور اللغز: هندسة اجتماعية بأقنعة إنسانية
في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت جرينلاند لا تزال ترزح تحت وطأة الاستعمار الدنماركي الكثيف، وتعاني من الفقر المدقع، تفشي الأمراض، وارتفاع مقلق في معدلات الوفيات. وتحت ستار ‘الرعاية الأبوية والتحديث‘، حاكت الحكومة الدنماركية، بالتعاون الوثيق مع مؤسسات ذات طابع إنساني كالصليب الأحمر الدنماركي ومنظمة ‘أنقذوا الأطفال‘، خطة استعمارية تبدو في ظاهرها نبيلة وإنسانية، ولكنها في باطنها تحمل أبشع درجات الهندسة الاجتماعية.
كان الهدف المزعوم هو انتزاع نخبة من أطفال جرينلاند، ونقلهم إلى الدنمارك لـ ‘إعادة برمجتهم‘ ثقافياً ولغوياً، ليصبحوا مستقبلاً ‘النخبة الحاكمة‘ أو الجسر المنيع الذي يربط بين الثقافتين ويدين بالولاء المطلق للمستعمر. اقتضت الخطة الأساسية اختيار أيتام فقط تجنباً للمساءلة الأخلاقية، لكن عندما عجز الكهنة والمندوبون عن إيجاد العدد المطلوب لإنجاح التجربة، تم التجاوز عن هذه القاعدة بشفافية معدومة. انتُزع أطفال لهم آباء وأمهات أحياء، مُستغلين جهل وعوز عائلاتهم بوعود كاذبة بمستقبل مشرق.
وهكذا، شُحنت أرواح بريئة عبر المحيط الشاسع لتُفرّغ من محتواها الأصلي وتُملأ قسراً بثقافة المُستعمر ولغته.
تفاصيل التحقيق: أروقة العزل ومحو الذاكرة الثقافية
بدأت فصول المعاناة الفعلية بمجرد وصول الأطفال المذعورين إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاجن. وفقاً للوثائق التاريخية ومذكرات الناجين، لم يُستقبل الأطفال بالورود، بل تم عزلهم طوال فصل الصيف في معسكر عطلات نائي يُدعى ‘فيدجاردن’ (Fedgaarden)، كإجراء حجر صحي صارم بدافع الخوف غير المبرر من حملهم لأمراض معدية من جرينلاند. هناك، وسط الروائح المعقمة الباردة والانعزال التام عن العالم الخارجي، تفشى مرض الإكزيما الجلدي بين الأطفال، ومنهم هيلين، كنتيجة جسدية مباشرة للتوتر النفسي الحاد والفزع المستمر. وفي أروقة ذلك المعسكر، بدأت عملية المسح الثقافي الممنهجة؛ حيثُ مُنع الأطفال منعاً باتاً من التحدث بلغتهم الأم (الكالاليست)، وكان العقاب النفسي والجسدي الصارم بانتظار كل من يتفوه بكلمة غير دنماركية.
بعد مضي نحو عام ونصف من العيش مع عائلات تبني دنماركية لضمان الاستيعاب الكامل، قررت السلطات إعادة 16 طفلاً إلى جرينلاند، بينما بقي 6 آخرون في الدنمارك. لكن الكارثة التي لم تكن في الحسبان، والتي عمقت الجرح، هي أن هؤلاء العائدين لم يُسمح لهم بالعودة إلى أحضان عائلاتهم وأمهاتهم اللواتي انتظرنهم طويلاً، بل أُودعوا في دار أيتام مؤسسية تابعة للصليب الأحمر في مدينة ‘نوك’.
الطامة الكبرى تمثلت في أن إدارة الدار منعت الموظفين الجرينلانديين من التحدث مع الأطفال بلغتهم الأصلية. تصف ‘هيلين ثيسن‘ تلك المرحلة بألم يعتصر القلب، حين التقت بوالدتها لاحقاً في الشارع ولم تتمكن من التفوه بكلمة واحدة معها لتخبرها عن مدى اشتياقها. لقد أصبحتا غريبتين تماماً، تتشاركان دماً واحداً وروابط بيولوجية، ولا تتشاركان لغة التواصل الأساسية.
ظل هذا السر الدنيء والمأساة الصامتة طي الكتمان حتى عام 1996، عندما تلقت هيلين -التي أصبحت سيدة في السادسة والأربعين من عمرها تعيش في الدنمارك- اتصالاً هاتفياً مفاجئاً من الكاتبة والباحثة الدنماركية ‘تين بريلد’ (Tine Bryld)، أخبرتها فيه بالحقيقة المفجعة: ‘لقد كنتم مجرد تجربة حكومية‘.
سقطت هيلين أرضاً منتحبة بانهيار كامل، بعد أن أدركت أخيراً أن شقاء عمرها، واغترابها الدائم، وفقدانها لهويتها كان مُخططاً له بدم بارد في أروقة السياسة والحكم.
آراء الخبراء: الاستيعاب القسري كأداة للإبادة الثقافية
أثار الكشف الموثق عن هذه التجربة زلزالاً أخلاقياً وسياسياً في الأوساط الاسكندنافية والعالمية. في تحقيق موسع نُشر عبر صحيفة ‘نوناتسياق نيوز’ (Nunatsiaq News) الكندية وهيئة الإذاعة الكندية (CBC) في عامي 2020 و2022، أشار الخبراء وصناع القرار إلى أن هذا العمل يندرج بلا شك تحت طائلة ‘الاستيعاب القسري‘، والذي ترقى تداعياته لمستوى الإبادة الثقافية.
وتؤكد الباحثة المرموقة في الدراسات الاستعمارية ‘كلير لويز ماكليسكي’ (Claire Louise McLisky) أن السياسة الاستعمارية في ذلك الحين كانت تسعى لخلق هوية هجينة وموهومة تخدم مصالح الدنمارك الجيوسياسية والاقتصادية. وفي ديسمبر 2020، وتحت ضغط شعبي وإعلامي لا يمكن تجاهله، اضطرت رئيسة الوزراء الدنماركية ‘ميت فريدريكسن’ (Mette Frederiksen) لتقديم اعتذار رسمي ومكتوب للناجين الستة الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة، قائلة أمام البرلمان بكلمات مشحونة بالأسف: ‘لا يمكننا تغيير ما حدث في الماضي، ولكن يمكننا تحمل المسؤولية في الحاضر.. ما تعرضتم له كان ظالماً وقاسياً وبلا قلب‘.
ورغم أهمية هذا الاعتذار كخطوة نحو المصالحة التاريخية، يرى الدكتور ‘ستيفن جيمس مينتون’ (Stephen James Minton)، الخبير البارز في علم النفس الاستعماري والذي أشرف على ترجمة مذكرات هيلين، أن التداعيات النفسية والروحية لهذه التجارب -التي تشبه إلى حد كبير الكوارث التي حلت بأطفال المدارس الداخلية للسكان الأصليين في أمريكا الشمالية- لا يمكن محوها بمجرد كلمات دبلوماسية أو شيكات تعويضية.
التحليل النفسي: الشتات الداخلي وعنف الرعاية الاستعمارية
من منظور التحليل النفسي والاجتماعي، يبرز تساؤل وجودي مخيف: إذا سُلب الإنسان لغته الأولى التي يحلم بها، وذكرياته المبكرة، ورائحة حضن أمه، وانتمائه لأرضه.. فمن يكون إذن؟ هذا التساؤل المأساوي لخص التجربة النفسية لأطفال التجربة الدنماركية.
لقد وقعوا ضحايا لظاهرة مدمرة يُسميها علماء الاجتماع ‘عنف الرعاية الاستعمارية‘ (Colonial Care)، حيث يُمارس القهر المنهجي وسلب الإرادة تحت غطاء الشفقة والارتقاء بالمجتمعات ‘الأقل حظاً’. عاش هؤلاء الأطفال بقية حياتهم في حالة مزمنة من ‘الشتات الداخلي‘ والانقسام الذاتي؛ فلم يعتبرهم الدنماركيون مواطنين أصلاء كاملي الأهلية بسبب عرقهم، وحين عادوا إلى جرينلاند، نبذهم مجتمعهم الأصلي لأنهم فقدوا لغتهم وثقافتهم وأصبحوا يمثلون المُستعمر.
أدى هذا الانسلاخ العنيف من الجذور إلى كوارث نفسية متعاقبة وموثقة؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن أكثر من نصف هؤلاء الأطفال توفوا قبل بلوغهم سن السبعين. بينما سقط الباقون فريسة سهلة في براثن الاكتئاب السريري المزمن، إدمان الكحوليات والمخدرات كآلية للهروب، ومحاولات الانتحار المتكررة. الهوية الإنسانية ليست مجرد جواز سفر أو بطاقة تعريف، بل هي الوعاء الروحي الذي يحفظ اتزان العقل البشري، وبكسر هذا الوعاء بوحشية، تناثرت أرواح الأطفال كشظايا زجاج مهشم لا يمكن لأي سلطة تجميعه أو إصلاحه.
الخاتمة المفتوحة: جراح لا تندمل واعتذارات لا تُحيي الموتى
اليوم، تقف ‘هيلين ثيسن’ في خريف عمرها، سيدة تحمل في تجاعيد وجهها ونبرة صوتها قصة 22 روحاً بريئة سُحقت بلا رحمة تحت عجلات طموحات سياسية بائسة وتجارب اجتماعية تفتقر لأدنى معايير الإنسانية. الاعتذار الحكومي الدنماركي، رغم رمزيته، قد يكون بمثابة سطر أخير في سجلات التاريخ الرسمي، لكنه حتماً ليس النهاية في قلوب الضحايا المكلومين.
هل تكفي رسالة موقعة من مسؤول سياسي رفيع المستوى لترميم براءة طفولة اختُطفت؟ وهل يمكن لتعويض مالي أن يُعيد دفء حضن أم فُقد في ليلة جليدية منذ أكثر من سبعين عاماً؟ تبقى هذه الأسئلة الفلسفية والأخلاقية معلقة في سماء جرينلاند الباردة، تندب حظ أولئك الصغار، وتذكرنا نحن كبشر بأن أبشع الجرائم ضد الإنسانية هي غالباً تلك التي تُرتكب وراء أقنعة الرحمة، التحضر، والنوايا الحسنة المزيفة.
المصدر: Little Danes Experiment Investigation
