
أطفال تحت تأثير الهلوسة: الجرائم المرعبة للدكتورة لوريتا بيندر التي صدمت العالم
المقدمة الصادمة: إلهٌ لا يزور عنابر الأطفال في كريدمور
في ربيع عام 1961، حيث كانت رائحة المطهرات النفاذة الكيميائية تمتزج ببرودة الأرضيات الرخامية ورطوبة الجدران المتآكلة في مستشفى ‘كريدمور’ الحكومي بولاية نيويورك، كان هناك صمت ثقيل ومقبض يخيم على المكان، صمت لا يقطعه سوى صرير الأبواب المعدنية الثقيلة، أو صرخات مكتومة تتسرب بخجل من شقوق جناح الطب النفسي المخصص للأطفال. هناك، في إحدى الغرف المعزولة الخالية من أي ملامح للحياة أو الألوان، كانت ‘ماري’، طفلة بريئة لم تتجاوز عامها الخامس، تجلس على مقعد خشبي صارم. كانت تؤرجح ساقيها النحيلتين في الهواء بآلية غريبة، وتدندن نغمة رتيبة تعيدها بلا توقف، بينما عيناها الزائغتان تبحثان عن مرفأ آمن في عالم لا تفهمه ولا تملك أدوات للتعامل مع قسوته. وبحسب تقرير استقصائي معمق استرجع هذه المأساة المنسية ونُشر في منصة ‘تروث أوت’ (Truthout) عام 2010، فإنه بمجرد أن بدأ مفعول الجرعة اليومية من عقار الـ LSD (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك) يسري في عروقها الصغيرة، توقفت ماري عن الحركة تماماً، وكأن الزمن قد تجمد. تسمرت عيناها نحو الحائط في جمود مروع لمدة عشر دقائق كاملة، قبل أن تدير رأسها ببطء شديد نحو الطبيبة التي كانت تراقبها بشغف بارد، وتقول بصوتٍ خالٍ من أي انفعال بشري أو طفولي: ‘الله لن يعود اليوم.. إنه مشغول جداً، ولن يأتي إلى هنا قبل أسابيع’. تلك الطبيبة التي كانت تدون هذه الهلوسات الوجودية المرعبة في دفتر ملاحظاتها لم تكن سوى الدكتورة ‘لوريتا بيندر’، واحدة من ألمع الأسماء وأكثرها نفوذاً في سماء الطب النفسي للأطفال في القرن العشرين.
لوريتا بيندر: الطفلة المتعثرة التي تحولت إلى مهندسة العذاب
لفهم كيف تحولت طبيبة أقسمت بقسم أبقراط على حماية مرضاها إلى مهندسة لهذه التجارب القاسية التي يندى لها الجبين، يجب أن نغوص في المتاهة العصبية لماضيها وتكوينها النفسي. لم تكن لوريتا بيندر مجرد طبيبة عابرة في تاريخ الطب؛ بل كانت باحثة مرموقة ذات ثقل أكاديمي، ابتكرت عام 1938 اختبار ‘بيندر-جشطالت’ (Bender-Gestalt Test) الشهير لتقييم النمو العصبي والإدراكي، وهو اختبار لا يزال مرجعاً علمياً يُدرس في كليات الطب حتى اليوم. لكن خلف هذه الواجهة الأكاديمية البراقة والمكانة العلمية المرموقة، تكمن ندبة طفولة عميقة ومؤلمة. في مسقط رأسها بولاية مونتانا، عانت بيندر في طفولتها من صعوبات تعلم شديدة، رسبت على إثرها في الصف الأول الابتدائي ثلاث مرات متتالية، حتى صنفها المعلمون بقسوة بالغة كـ’متخلفة عقلياً’. ورغم قسوة التقييم المجتمعي والتعليمي، شقت طريقها بصلابة وعناد منقطع النظير لتنال درجة الدكتوراه. هذه التجربة الشخصية صاغت رؤيتها الطبية بشكل حاد ومتطرف؛ فقد باتت تؤمن إيماناً قاطعاً بأن أي اضطراب نفسي أو سلوكي لدى الأطفال هو بالضرورة ناتج عن ‘تلف بيولوجي’ عميق أو تأخر في النمو العصبي الدماغي. وبناءً على هذا المعتقد الراسخ، رفضت بشراسة وازدراء مدارس التحليل النفسي الفرويدية التي تعزو الاضطرابات لبيئة الطفل أو صدماته العاطفية، ورأت أن الخلاص الوحيد يكمن في التدخلات الفسيولوجية العنيفة: صدمات الكهرباء والمواد الكيميائية المكثفة التي يمكنها ‘إعادة تشغيل’ الدماغ المتعثر، متجاهلة تماماً الألم الإنساني المرافق لهذه التدخلات.
عنابر بيلفيو: مسلخ الطب النفسي والصدمات الكهربائية
قبل انتقالها إلى مستشفى كريدمور، ترأست بيندر قسم الطب النفسي للأطفال في مستشفى ‘بيلفيو’ المرموق في نيويورك منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 1956. هناك، وبفضل نفوذها الطبي الواسع، حولت العنابر إلى حقل تجارب حقيقي لا يخضع لأي مساءلة. وفقاً للسجلات الطبية التاريخية والتقارير الاستقصائية، أخضعت بيندر أكثر من 500 طفل لجلسات العلاج بالصدمات الكهربائية (ECT)، وهو رقم مهول يعكس حجم المأساة التي دارت خلف الأبواب المغلقة. يصف التقرير ذاته حالة طفل يُدعى ‘بوبي’، أُجبر على الخضوع لثماني جلسات من الصعق الكهربائي المكثف خلال عام واحد فقط. كان بوبي يُثبت بقوة وحشية على سرير معدني بارد من قِبل ممرضين أصحاب بنية جسدية قوية، بينما يوضع محلول موصل للكهرباء على صدغيه الصغيرين. كان يبكي متوسلاً ومنهاراً: ‘دعوني أذهب أرجوكم، لا أريد أن أكون هنا، أريد أمي’. وبنبرة خالية من أي ذرة تعاطف، كانت الطبيبة تأمره بالاسترخاء وأن يتصرف كالرجال، قبل أن يُحشر وتد مطاطي قاسي في فمه لمنع تمزق لسانه، وتُطلق الشحنة الكهربائية لتنتفض أطرافه في تشنجات عنيفة تكاد تمزق أربطته.
هلوسات الستينيات: حينما يُشرعن الطب تحطيم العقول
بحلول عام 1961، وفي أروقة مستشفى ‘كريدمور’ الكئيبة، قررت بيندر أن الكهرباء لم تعد تكفي لتحقيق طموحاتها العلمية. استهوتها التقارير المتداولة عن قدرة عقار الـ LSD على إحداث تحولات إدراكية جذرية، فبدأت بتجربة العقار على ما يقرب من 100 طفل، تتراوح أعمارهم بين الثالثة والثانية عشرة، ممن شُخصوا تعسفياً بـ ‘الفصام الطفولي’ أو التوحد. كانت تحقنهم بجرعات يومية من الـ LSD وعقار آخر قوي التأثير يُعرف بـ UML-491، لمدة شهور متواصلة، وفي بعض الحالات امتدت التجارب لسنوات متصلة من الهلوسة المستمرة. ادعت بيندر في أبحاثها المنشورة عام 1963 في دورية ‘الجمعية البيولوجية للطب النفسي’ أن العقاقير حفزت النمو الإدراكي للمرضى وجعلتهم أكثر تفاعلاً. لكن الحقيقة الموثقة المسجلة خلف الكواليس من قبل طاقم التمريض كانت مغايرة تماماً؛ فقد وثق المراقبون تدهوراً حاداً ومأساوياً في حالات الأطفال، حيث سيطر عليهم الرعب المطلق، وازدادت نوبات القلق والانسحاب والانطواء، بل وظهرت لدى بعضهم ميول انتحارية صريحة وسلوكيات بالغة العنف تجاه أنفسهم نتيجة العذاب النفسي الذي لا يُحتمل.
آراء الخبراء: تشريح جريمة طبية في غياب الأخلاقيات
ينظر مؤرخو الطب النفسي وعلماء الأخلاقيات اليوم إلى تجارب لوريتا بيندر بوصفها إحدى أحلك الحقب في تاريخ الطب الحديث. وفقاً لدراسة تحليلية نُشرت في مجلة (Acta Neuropsychiatrica)، فإن التشخيصات التي أطلقتها بيندر، مثل ‘الفصام الطفولي’، كانت فضفاضة وغير دقيقة بمعايير الطب المعاصر. فالغالبية العظمى من أولئك الأطفال كانوا يعانون في الواقع من طيف التوحد، أو حتى اضطرابات سلوكية طبيعية ناتجة عن صدمات اجتماعية وأسرية مفككة (كحالة الطفلة ماري التي تخلى عنها والداها وتركاها في رعاية الدولة). وقد أشار الباحثون في مجال الأخلاقيات الطبية إلى أن حقبة الستينيات، والتي تزامنت مع تجارب وكالة المخابرات المركزية السرية (MKUltra) للتحكم في العقول، كانت تفتقر إلى أي آليات رقابية صارمة أو مجالس مراجعة مؤسسية مستقلة (IRBs). كان الأطفال، خاصة الأيتام وأبناء الطبقات المهمشة الذين لا سند لهم، يُساقون كفئران تجارب بلا أدنى اعتبار لمبدأ ‘الموافقة المستنيرة’، وتحت غطاء كثيف من الحصانة الأكاديمية التي وفرتها السمعة اللامعة للدكتورة بيندر، مما جعل مساءلتها ضرباً من المستحيل في ذلك الوقت.
التحليل النفسي: تشظي الأنا قبل اكتمال بنيانها
إن التأمل العميق في تفاصيل هذه التجارب يطرح تساؤلات فلسفية ونفسية تزلزل الوجدان البشري. من المعروف علمياً وتجريبياً أن تأثير عقار الـ LSD يتمحور بشكل أساسي حول إحداث حالة من ‘تشظي الأنا’ (Ego Dissolution) أو ذوبان الهوية، حيث يفقد الشخص البالغ إحساسه بحدود جسده ويندمج مع محيطه في دوامة من الهلوسات البصرية والسمعية التي قد تكون مرعبة ومسببة للجنون حتى للعقول الناضجة المستقرة. إذا كان هذا هو تأثير العقار المزلزل على شخص بالغ يمتلك بنية نفسية متكاملة وقدرة على التحليل، فماذا يفعل بطفل في الثالثة أو الخامسة من عمره؟ طفل لم يكوّن ‘أناه’ بعد، ولم يدرك الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال، بين ذاته والعالم الخارجي. إن إعطاء الهلوسات الكيميائية لطفل في طور النمو يشبه إلقاء قنبلة مدمرة في مبنى قيد الإنشاء. لم تكن تلك العقول الغضة تشهد ‘توسعاً إدراكياً’ كما توهمت بيندر في غرورها العلمي، بل كانت تُقذف بقسوة في غياهب جحيم وجودي، حيث تتشوه مفاهيم الأمان، الألوان، والأصوات، لتترك الطفل وحيداً في مواجهة رعب نقي ومجرد، لا يمتلك أي أدوات لغوية أو معرفية لفهمه أو التعبير عنه. كيف استطاع باحثٌ أن ينزع رداء إنسانيته ليقف متفرجاً ومراقباً لهذا التمزق النفسي، معتبراً دموع الأطفال وصرخاتهم مجرد ‘بيانات تجريبية’ تُضاف إلى سيرته الذاتية؟
الخاتمة المفتوحة: أشباح لا تزال تسكن جدران المصحات
رحلت لوريتا بيندر عن عالمنا عام 1987، حاملة معها إلى القبر أسرار تلك العنابر الباردة وتفاصيل ما جرى خلف الأبواب الموصدة لسنوات طويلة. تغيرت القوانين الطبية منذ ذلك الحين، وتأسست لجان الأخلاقيات الصارمة التي تمنع استغلال المرضى، وأُغلقت العديد من تلك المصحات الكئيبة أو تحولت إلى أطلال ومتاحف تذكرنا بماضٍ أسود. لكن في زوايا التاريخ المنسية، لا تزال أشباح مستشفى ‘كريدمور’ و’بيلفيو’ تهيم في الأروقة. أولئك الأطفال الذين كبروا – إن كُتب لهم البقاء ولم تبتلعهم هاوية الانتحار – يحملون في تلافيف أدمغتهم ندوباً لا تُمحى، لتجارب سلبتهم براءتهم وعقولهم باسم ‘التقدم العلمي’. وتبقى قصة هذه التجارب وصمة عار تذكرنا دوماً بأن العلم حين يتجرد من بوصلة الرحمة والأخلاق، فإنه يتحول إلى وحش كاسر يفترس أضعف من فينا، تاركاً إيانا أمام تساؤل مرير يتردد صداه في الفراغ: كم روحاً بريئة يجب أن تُسحق في صمت، قبل أن يدرك الإنسان أن العقل البشري، وخصوصاً عقل الطفل، ليس مجرد آلة بيولوجية تُصلح بالصعقات والسموم الكيميائية؟
المصدر: Loretta Bender experiments
