why do we see faces in things
لماذا نرى وجوهاً في الأشياء الجامدة؟ (التفسير العلمي لظاهرة الباريدوليا)

لماذا نرى وجوهاً في الأشياء الجامدة؟ (التفسير العلمي لظاهرة الباريدوليا)

 

كثيراً ما نسمع عن أشخاص يرون وجوهاً في أكثر الأشياء غرابة وغير متوقعة من حولنا، مثل رؤية وجه شخصية مشهورة على شريحة بطاطس، أو ملامح إنسان تتشكل بوضوح في السحب المارّة، أو حتى وجه يبتسم لك من رغوة فنجان القهوة! في الواقع، هناك العديد من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي المكرسة خصيصاً لهذه الظاهرة الفضولية، حيث ينشر الناس صوراً لـ “وجوه” يجدونها في الأشياء الجامدة من حولهم.

فما هو التفسير العلمي وراء هذه الظاهرة الغريبة؟ لماذا تميل أدمغتنا إلى إضفاء طابع إنساني على الأشياء غير الحية؟ يُعرف هذا الوهم البصري والنفسي في الأوساط العلمية باسم ظاهرة الباريدوليا (Face Pareidolia) أو الاستسقاط، وهو ميل العقل البشري لإدراك أنماط مألوفة (مثل الوجوه) في محفزات عشوائية أو مبهمة.

ما الذي يكمن في الوجه؟

لفهم السبب وراء رؤيتنا للوجوه في الأشياء، يجب أن ندرك أولاً كيف يتعامل الدماغ البشري مع الوجوه بشكل عام.

أدمغتنا مجهزة فطرياً بـ “قسم” منفصل ومخصص بالكامل للتعرف على الوجوه ومعالجتها، ويُطلق على هذه المنطقة اسم منطقة الوجه المغزلي (Fusiform Face Area – FFA).

تعمل هذه المنطقة بكفاءة وسرعة فائقة لتحليل ملامح أي وجه نراه في جزء من الثانية.

من الواضح أن وجود منطقة متخصصة للوجوه في الدماغ يشير إلى حقيقة بالغة الأهمية: إن الفشل في التعرف على وجه ما يمكن أن يكون له تأثير جسيم وعميق على بقاء الإنسان.

ففي المجتمعات البشرية المبكرة، كانت القدرة على التمييز السريع بين وجه الصديق ووجه العدو مسألة حياة أو موت.

لماذا تحدث ظاهرة الباريدوليا؟

قد يظن البعض أننا نرى وجوهاً في الأشياء لأننا نعيش في عصر مليء بالرسوم المتحركة والأفلام التي تضفي صفات بشرية على الجمادات، ولكن العلم يقول عكس ذلك تماماً.

ظاهرة باريدوليا الوجوه ليست شائعة للغاية فحسب، بل هي أيضاً سمة تطورية بدائية أقدم بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. فقد تمكن العلماء من رصد وتحديد حدوث هذه الظاهرة حتى لدى قرود المكاك الريسوسي.

وهذا الاكتشاف دحض النظرية الغريبة التي كانت تدعي أن الباريدوليا ناتجة عن مشاهدة البشر للرسوم المتحركة؛ فهذه الظاهرة مشتركة بين الرئيسيات ولها علاقة بطبيعة أدمغتنا الفطرية أكثر بكثير من ارتباطها بخيالنا اليومي التلفزيوني.

المعالجة الدماغية وخوارزمية الخطأ والصواب

يمتلك الدماغ طريقتين رئيسيتين لمعالجة المدخلات الحسية (بما في ذلك الوجوه).

وفي سياق ظاهرة الباريدوليا، يُعتقد أنها تحدث نتيجة خطأ أو عدم تطابق في التصنيفات أو العلامات أثناء ما يُعرف بـ المعالجة من الأسفل إلى الأعلى (Bottom-up processing).

في المعالجة من الأسفل إلى الأعلى، يجب أن تتطابق المعلومات الحسية الواردة من العينين مع مجموعة من التصنيفات أو العلامات التي تعلمها الدماغ مسبقاً للتعرف عليها.

  • إذا كان النمط يشبه “الوجه”، يجب تمرير المعلومات إلى مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة الوجوه لتحديد هويته.
  • ما يحدث في الباريدوليا هو أن الدماغ يرى “قطعة خبز محمص” مثلاً، ولكنه يخطئ في تصنيفها ويضع عليها علامة “وجه“.
  • بمجرد حدوث هذا الخطأ، يُمرر الدماغ الإشارة إلى مناطق معالجة الوجوه، مما يؤدي في النهاية إلى رؤيتنا لوجه غامض يحدق بنا من وجبة الإفطار!

لكن، لماذا يرتكب الدماغ هذا الخطأ الساذج؟

السبب تطوري بحت؛ فالدماغ يميل إلى ارتكاب المزيد من الأخطاء في تصنيف الأشياء كوجوه لأن تكلفة هذا الخطأ شبه معدومة مقارنة بتكلفة عدم التعرف على وجه حقيقي! إن خطأك في عدم التعرف على شريحة بطاطس لن يكون قاتلاً، لكن عدم التعرف على عدو مفترس أو خصم يتربص بك قد يكلفك حياتك.

دور القشرة الجبهية في خداع الدماغ

لفهم الآلية العصبية الدقيقة وراء هذه الظاهرة، أجرى العلماء دراسة تم فيها فحص أدمغة مجموعة من الأشخاص عبر أجهزة المسح الدماغي، بينما كانوا يعرضون عليهم صوراً مليئة بالتشويش البصري وأخبروهم سلفاً أنها تحتوي على وجوه.

كشفت النتائج عن آلية مذهلة:

  • أظهرت المسوحات أن المناطق الموجودة في “أعلى” التسلسل الهرمي لشبكة معالجة الوجوه في الدماغ، مثل القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، هي التي ترسل إشارات للتحكم في نشاط منطقة الوجه المغزلي (FFA) فقط أثناء حدوث الأوهام البصرية.
  • بعبارة أبسط، في الحالات التي ادعى فيها المشاركون أنهم “رأوا وجوهاً”، كانت قشرتهم الجبهية الأمامية ترسل “تلميحاً سرياً” مسبقاً لمنطقة الوجه المغزلي، تخبرها فيه أن المعلومات الحسية القادمة من مناطق الرؤية السفلية هي في الواقع وجه.
  • هذا “التوقع” المسبق لوجود وجه أدى إلى زيادة نشاط منطقة (FFA) في كلا جانبي الدماغ أثناء هذه الأوهام.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن باريدوليا الوجوه هي نتيجة لتعديل قادم من الأعلى؛ حيث تقوم مناطق الدماغ العليا بتعديل المعلومات البصرية الآلية (المعالجة من الأسفل إلى الأعلى)، مما يؤدي في النهاية إلى إساءة تفسير منطقة (FFA) للمعلومات الواردة واعتبارها وجهاً حقيقياً.

كلمة أخيرة

إن الدماغ البشري آلة معقدة قادرة على معالجة المعلومات بشكل واعٍ وغير واعٍ في آن واحد، وهذا ينطبق تماماً على كيفية معالجتنا للوجوه.

إن المعالجة الآلية أو اللاواعية للمدخلات الحسية (المعالجة من الأسفل إلى الأعلى) يتم توجيهها والتحكم بها من قبل مناطق دماغية “آمرة“.

هذه المناطق العليا تفرض انحيازاً على نظامنا البصري لجعله يرى وجوهاً حتى في غيابها التام.

وقد وُجد هذا الانحياز التطوري لمساعدتنا على البقاء والازدهار في المجتمعات البشرية والطبيعة القاسية، حيث يمكن أن يؤدي الفشل في ملاحظة وجه بشري أو حيواني إلى عواقب وخيمة.

لذا، في المرة القادمة التي ترى فيها وجهاً يبتسم لك في سحابة عابرة أو في قطعة حلوى، تذكر أنها ليست مجرد صدفة؛ بل هي أثر جانبي غريب وفريد لرحلة التطور التي قررت أن الإنسان ببساطة لا يمكنه تحمل تكلفة تفويت رؤية أي “وجه“، حتى لو لم يكن موجوداً!

 

 

 

References

Sheehan, M. J., & Nachman, M. W. (2014, September 16). Morphological and population genomic evidence that human faces have evolved to signal individual identity. Nature Communications. Springer Science and Business Media LLC.

Kanwisher, N., McDermott, J., & Chun, M. M. (1997, June 1). The Fusiform Face Area: A Module in Human Extrastriate Cortex Specialized for Face Perception. The Journal of Neuroscience. Society for Neuroscience.

Taubert, J., Wardle, S. G., Flessert, M., Leopold, D. A., & Ungerleider, L. G. (2017, August). Face Pareidolia in the Rhesus Monkey. Current Biology. Elsevier BV.

Liu, J., Li, J., Feng, L., Li, L., Tian, J., & Lee, K. (2014, April). Seeing Jesus in toast: Neural and behavioral correlates of face pareidolia. Cortex. Elsevier BV.

Zhen, Z., Fang, H., & Liu, J. (2013, March 20). The Hierarchical Brain Network for Face Recognition. (M. Ptito, Ed.), PLoS ONE. Public Library of Science (PLoS).

By Mohamed Abdelmoreed Ahmed

Accountant, Programmer, and Founder of Horus Valley. Dedicated to documenting historical mysteries and psychological insights through a lens of logic and meticulous research.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE