
لماذا نشعر بالغيرة والحسد؟ التفسير العلمي والنفسي الشامل
جميعنا نألف هذا الشعور، سواء كان ذلك بسبب اهتمام شريك أو صديق مقرب بشخص آخر، أو حصول زميل عمل على الترقية التي كنت تطمح إليها، أو أي من المواقف التي لا تعد ولا تحصى والتي جعلتنا نشعر بوخز الغيرة.
من المؤكد أن الكثير منا يقع في فخ التصرف بشكل غير عقلاني بسبب هذه المشاعر من حين لآخر.
في الواقع، تعد الغيرة والحسد من الموضوعات الشائعة جداً في القصص، والأفلام، والأغاني، ومختلف أشكال الفن. حتى أن الكاتب المسرحي العظيم “وليام شكسبير” وصف الغيرة بأنها “الوحش ذو العينين الخضراوين” (Green-eyed monster).
تعتبر الغيرة والحسد من المشاعر الإنسانية العالمية التي رافقتنا منذ فجر التاريخ، ولكن لماذا نشعر بها على وجه التحديد؟ وهل لها أي فوائد؟
الفرق بين الغيرة والحسد
غالبًا ما يتم استخدام مصطلحي الغيرة والحسد بشكل متبادل، ولكن هناك فرق جوهري بينهما، فكل منهما ينبع من المقارنة ولكن بسياقات وشروط مختلفة.
الغيرة تتعلق عادةً بالأشخاص والعلاقات.
وهناك دائماً ثلاثة أطراف معنية في معادلة الغيرة: “أنا“، و”الشخص المحبوب“، و”المنافس“.
في حالة الغيرة، يكون الشخص “المحبوب” ثابتاً ولا يمكن استبداله، بينما يمكن أن يتغير “المنافس“.
لتبسيط الأمر، دعونا نتأمل مثالاً للثنائي التلفزيوني الشهير: “روس” و”رايتشل” من مسلسل (Friends).
على مدار علاقتهما، يرى المشاهدون “روس” يشعر بالغيرة من شخصيات مثل “بابلو”، و”باري”، و”مارك”، وغيرهم. بالنسبة لروس، “رايتشل” هي حبيبته الثابتة، بينما كان هؤلاء الرجال هم المنافسين.
لقد كان منافسوه يتغيرون باستمرار، بالمقارنة مع رايتشل التي ظلت كعنصر ثابت في المعادلة.
أما الحسد، فهو يتمحور حول شيء يمتلكه شخص آخر ونفتقر إليه نحن، وسنفصل أسبابه لاحقاً.
لماذا نشعر بالغيرة؟
غالباً ما تتم دراسة المشاعر والعواطف من منظور علم النفس التطوري. وفقاً لهذا المنظور، تُعزى الغيرة إلى كونها استجابة تكيفية لتهديد ما يواجه علاقاتنا.
ومع ذلك، لا يزال من المثير للجدل ما إذا كانت الغيرة تمثل استجابة تكيفية أم غير تكيفية.
الاستجابة التكيفية تعني أنها نتيجة ضرورية ومفيدة للتطور البشري،
بينما الاستجابة غير التكيفية تعني أنها مجرد بقايا أو أثر لمشاعر كانت مطلوبة في الماضي ولكنها لم تعد ضرورية اليوم.
نحن نشعر بالغيرة عندما ندرك أن علاقتنا بشخص ما، أو الفوائد التي نجنيها من هذه العلاقة، معرضة للخطر.
وفقاً لهذه النظرية، فإن أدمغتنا مبرمجة للشعور بالغيرة، حيث يحفزنا هذا الشعور على اتخاذ إجراءات فورية لحماية العلاقة وإنقاذها.
وبالتالي، فهي ليست شيئاً يمكننا تجنبه أو التحكم فيه بسهولة.
هناك نظرية أخرى تشير إلى أن الغيرة هي ببساطة نتيجة للشعور بانعدام الأمان.
عندما تكون غير واثق من نفسك أو تشعر بالنقص، فمن المرجح أن تشعر بخوف أكبر من فقدان علاقتك أو جزء منها.
بالإضافة إلى هذه الأسباب، هناك عوامل أخرى يمكن أن تزيد من حدة الغيرة وتفاقمها، وتشمل:
- التفكير المفرط في السيناريوهات السلبية.
- التجارب السيئة السابقة.
- الشخصية التي تميل إلى الارتياب أو الشك الدائم.
- انخفاض تقدير الذات وضعف الثقة بالنفس.
لماذا نشعر بالحسد؟
إن النهج التطوري المذكور أعلاه ينطبق أيضاً على الحسد، ولكن الحسد يحمل عاملاً إضافياً مهماً.
يميل البشر بطبيعتهم إلى تقييم قيمتهم الذاتية ورفاهيتهم من خلال مقارنة أنفسهم بالآخرين.
إذا كان الآخرون يمتلكون شيئاً نفتقر إليه، ولكننا نريده أو نحتاجه بشدة، فإننا نشعر بالحسد تجاههم.
وبما أن الحسد يحدث نتيجة للمقارنة، فيمكن تمييزه بوضوح عن مشاعر الإعجاب.
تخيل الموقف التالي: لقد ذهبت إلى المدرسة مع صديق كنت تعتبره مساوياً لك في كل شيء.
بعد عشر سنوات، أصبح صديقك هذا أغنى منك بكثير.
هل ستحسد صديقك، أم ستحسد الملياردير “جيف بيزوس” (Jeff Bezos) الذي هو بطبيعة الحال أغنى بكثير؟
قد تكونوا درستم في نفس المدرسة، وانحدرتم من خلفيات عائلية وظروف مالية متشابهة، وتتمتعون بمستوى ذكاء متقارب، ولكن لا توجد أوجه تشابه كثيرة بينك وبين جيف بيزوس.
لذلك، قد تشعر بـ الإعجاب تجاه جيف بيزوس لثروته الهائلة، لكنك في المقابل ستشعر بـ الحسد تجاه صديقك القديم الذي يقاربك في الظروف.
هذا يثبت أن المقارنة هي مكون أساسي للشعور بالحسد.
وكما هو الحال مع الغيرة، فإن تدني احترام الذات، والتفكير المفرط، والتجارب السيئة تلعب دوراً كبيراً في تغذية هذا الشعور.
هل الغيرة والحسد مشاعر مفيدة لنا؟
يُعتقد أن معظم المشاعر السلبية، مثل الغضب والخوف، قد تطورت لخدمة مصالحنا الفضلى.
وعلى الرغم من أن الجدل لا يزال قائماً في الأوساط العلمية حول ما إذا كانت الغيرة والحسد مشاعر جيدة لنا، دعونا نستعرض كلا الرأيين.
الجانب السلبي
يعتقد بعض المتخصصين أن هذه المشاعر ليست جيدة لنا على الإطلاق.
فهي في النهاية تضع الشخص في حالة من الضيق والتوتر المستمر.
وفي كثير من الأحيان، تؤدي هذه المشاعر إلى سلوكيات غير عقلانية قد تضر بنا أو بعلاقاتنا.
علاوة على ذلك، تنشأ الغيرة والحسد بناءً على ما نعتقد أنه مهم أو مفيد لنا، ولكن قد لا يكون هذا هو الواقع، مما يجعل حالة الضيق التي نمر بها غير مبررة وبلا طائل.
الجانب الإيجابي كمحفز للتغيير
على الجانب الآخر، يعتقد البعض أن الغيرة والحسد يمكن أن يكونا دافعين ومحفزين ممتازين للعمل.
لنفترض أن هناك علاقة تواجه تحديات وتحتاج إلى مجهود لإصلاحها، أو أن هناك هدفاً مادياً أو صفة شخصية نرغب في تطويرها لتكون مفيدة لنا.
في مثل هذه الحالات، يمكن للغيرة أو الحسد أن يحفزنا للعمل بجد للحفاظ على الأشياء التي نعتز بها في حياتنا، أو السعي نحو أهدافنا وتحسين أنفسنا بقوة أكبر.
خاتمة
عندما نسأل أنفسنا عما نقدره حقاً في الحياة، قد تكون استجابتنا مشوهة بسبب التوقعات المجتمعية لما يُفترض بنا أن نهتم به.
ومع ذلك، فإن تحليل المواقف والأشياء التي تجعلنا نشعر بالغيرة أو الحسد يمكن أن يقدم لنا إجابة أكثر صدقاً وعمقاً.
تلك المشاعر الخفية والمرهقة تدفعنا إلى التأمل الذاتي، والتفكير بصدق فيما هو مهم ومفيد حقاً بالنسبة لنا.
لذا، في المرة القادمة التي تشعر فيها بوخز الغيرة أو الحسد، حاول أن تفهم الرسالة التي تحاول هذه المشاعر إيصالها لك، واستخدمها كأداة لاكتشاف ذاتك وتحقيق تطورك الشخصي.
References
(2002) Envy – Stanford Encyclopedia of Philosophy. Stanford University
Why do we get jealous? | Ask Dr. Universe. Washington State University
3 Prime Reasons Why People Get Jealous | Psychology Today. Psychology Today
