optimized image 1780704229717
كيف تصنع الغواصات النووية الأكسجين في قاع المحيط؟

كيف يتنفس 130 رجلاً تحت الجليد لشهور؟ اللغز المرعب لغواصات يوم القيامة النووية

 

المقدمة

على عمق 400 قدم تحت الغطاء الجليدي الصلب للقطب الشمالي، يتلاشى مفهوم الزمن، وتنتفي البديهيات الفسيولوجية التي يألفها البشر على اليابسة. هنا، في ظلمة المحيط المتجمد السحيقة، تنزلق أسطوانة فولاذية عملاقة تزن آلاف الأطنان، تحمل في جوفها المعتم أكثر من مائة وثلاثين رجلاً. لا توجد نوافذ، ولا هواء نقي، ولا سماء يمكن التطلع إليها. الغواصة النووية في هذه الأعماق ليست مجرد آلة حربية متطورة، بل هي كوكب اصطناعي صغير، محكم الإغلاق ومكتفٍ ذاتياً بشكل كامل.

كيف يمكن لهؤلاء الرجال أن يتنفسوا لأشهر طويلة في عزلة مطبقة عن الغلاف الجوي للأرض؟ الإجابة تكمن في الرائحة.

 

فور دخولك إلى هذا العالم المعدني، تهاجم حواسك رائحة تخبرك بالكثير؛ إنها مزيج لاذع ونفاذ من الأمونيا، وعرق البشر، والديزل الدافئ، والأوزون المنبعث من الدوائر الكهربائية المعقدة. يسميها البحارة “رائحة الغواصة“، وهي دليل حسي يومي على معركة كيميائية وفيزيائية شرسة تدور رحاها في كل ثانية لتأجيل الموت اختناقاً.

أن تتنفس في هذا المكان يعني ببساطة أنك تتنفس المحيط ذاته، بعد أن يتم تفكيكه وإعادة تركيبه جزيئياً. لكن هذا الانتصار التكنولوجي المذهل يطرح تساؤلاً وجودياً مقلقاً: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتمرد على طبيعته البيولوجية المحدودة، ويعيش كجزء عضوي مكمل لآلة تتنفس نيابة عنه؟

جذور اللغز

لفك طلاسم هذه العبقرية الهندسية، يجب أن نعود إلى جذور اللغز إبان الحرب الباردة. في الثالث من أغسطس عام 1958، وقف القائد “ويليام أندرسون” في غرفة التحكم الخاصة بالغواصة الأمريكية “يو إس إس نوتيلوس” (USS Nautilus). كانت المهمة المحاطة بسرية تامة تحمل اسم “عملية صن شاين” (Operation Sunshine)، وجاءت كتحرك استراتيجي بعد الصدمة التي أحدثها السوفييت بإطلاق القمر الصناعي “سبوتنيك”. في تمام الساعة 11:15 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي، وتحت ضغط جليدي هائل، أعلن أندرسون عبر مكبر الصوت الداخلي: “من أجل العالم، وبلدنا، والبحرية.. نحن تحت القطب الشمالي”.

قبل اختراع المفاعلات النووية، كانت الغواصات بمثابة قوارب تغوص لفترات قصيرة، تعتمد على محركات الديزل التي تتطلب الأكسجين للاحتراق، مما كان يجبرها على الصعود إلى السطح باستمرار عبر أنابيب التنفس.

ولكن، مع دمج المفاعل النووي، حصلت الغواصات على مصدر طاقة مذهل لا يحتاج إلى هواء. هنا، تجلى التحدي الهندسي الجديد: إذا كانت الغواصة قادرة على البقاء تحت الماء لسنوات بفضل المفاعل، فكيف يمكن إبقاء الطاقم البشري على قيد الحياة دون أن يختنقوا بأنفاسهم؟

تفاصيل التحقيق

تعتمد الآلية الكيميائية والكهربائية المعقدة لفصل جزيئات ماء البحر وإنتاج هواء نقي للطاقم على سلسلة من العمليات الصارمة والمحسوبة بدقة متناهية.

تبدأ الدورة بامتصاص مياه البحر من المحيط الخارجي. تمر هذه المياه عبر محطات تحلية تعمل بتقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis) أو التقطير الوميضي، لتتحول إلى مياه نقية خالية تماماً من الأملاح والمعادن.

تُضخ هذه المياه المقطرة بعد ذلك إلى قلب النظام: “مولد الأكسجين” بالتحليل الكهربائي (Electrolysis). باستخدام الطاقة الكهربائية الهائلة التي ينتجها المفاعل النووي، تُمرر تيارات قوية عبر المياه، لتنشطر جزيئات الماء (H2O) بعنف إلى مكوناتها الأساسية. يُسحب غاز الهيدروجين (H2) -وهو غاز شديد الانفجار- ويُطرد فوراً خارج الغواصة ليذوب في مياه المحيط، بينما يُجمع الأكسجين النقي ويُطلق في نظام التهوية المركزي.

يمكن تلخيص هذه الدورة المعقدة في الخطوات التالية:

  • التنقية الأولية: سحب المياه من المحيط وتحليتها بالتناضح العكسي لإزالة الشوائب والمعادن.
  • التحليل الكهربائي: فصل الأكسجين عن الهيدروجين وطرد الهيدروجين المتفجر خارجاً لتأمين الطاقم.
  • معالجة الهواء العادم: التخلص من غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من تنفس الطاقم باستخدام مواد كيميائية حيوية.

لكن إنتاج الأكسجين ليس سوى نصف المعركة. الخطر الحقيقي، والقاتل الصامت، هو غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) الذي يزفره البشر.

للتخلص من هذا السم، تستخدم الغواصات جهاز تنقية يعتمد على مركب كيميائي يُدعى “أحادي إيثانول الأمين” (Monoethanolamine – MEA). يعمل هذا المركب بآلية ديناميكية؛ فعندما يكون السائل الكيميائي بارداً، فإنه يمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء كالإسفنج. وبعد تشبعه، يُضخ إلى وحدة تسخين حيث تكسر الحرارة الروابط الكيميائية، ليُطلق الغاز السام الذي يُضغط ويُطرد إلى المحيط. مركب الـ (MEA) هذا هو المسؤول المباشر عن تلك الرائحة اللاذعة التي تتغلغل في ملابس البحارة، والتي أثبتت دراسة أجراها “ويكس وزملاؤه” عام 1960 أن البشر قادرون على تمييز رائحتها بتركيز ضئيل يبلغ 2.6 جزء في المليون فقط.

آراء الخبراء

يؤكد خبراء هندسة دعم الحياة أن هذه الأنظمة، رغم دقتها، تظل عرضة للإخفاق. وفي حال توقف المفاعل، تتحول الغواصة فوراً إلى تابوت معدني. لذا، تعتمد الغواصات على أنظمة احتياطية تُعرف باسم “شموع الأكسجين” أو المولدات المستقلة (SCOG). وهي قوالب كيميائية صلبة تحتوي على كلورات الصوديوم، وتنتج الأكسجين عبر تفاعل كيميائي طارد للحرارة عند إشعالها.

إلا أن تقريراً فنياً متخصصاً أصدرته وكالة ناسا (NASA) بالتعاون مع مهندسي البحرية، حذر بشدة من هشاشة هذا النظام الاحتياطي. وأوضح التقرير أن أي تلوث داخلي لهذه الشموع، ولو بقطرة زيت أو مواد عضوية، يمكن أن يتسبب في تفاعل ضغط جامح يحول الأسطوانة إلى قنبلة متفجرة شديدة التدمير.

التحليل النفسي

هذه الهشاشة التقنية تضعنا أمام بُعد آخر، وهو البُعد الإنساني الذي يُعد بحق قضية منسية في أروقة وزارات الدفاع والتاريخ العسكري المليء بتمجيد الآلات. إن المعاناة النفسية والجسدية للبحارة الذين يعيشون داخل هذه الكبسولات الحساسة تفوق الوصف، حيث يصبح مجرد تنفسهم مرهوناً بتعقيدات كيميائية لا ترحم.

لفهم فداحة هذا العبء، يجب أن نفتح ملف المأساة التي وقعت في الحادي والعشرين من مارس عام 2007. كانت الغواصة النووية البريطانية “إتش إم إس تايرلس” (HMS Tireless) تشارك في مناورات (ICEX-07) تحت الغطاء الجليدي للقطب الشمالي، حين وقع عطل استدعى تشغيل شموع الأكسجين الاحتياطية. توجه الشاب “أنتوني هانترود” (20 عاماً) وزميله المهندس “بول ماكان” (32 عاماً) لتنفيذ الإجراء.

وفقاً لتقرير وزارة الدفاع البريطانية الصادر في يونيو 2008، وتصريحات وزير الدفاع آنذاك “ديس براون”، كانت الشمعة ملوثة داخلياً بالزيت نتيجة شقوق دقيقة. بمجرد تفعيلها، وقع انفجار مروع. الشهادة التي قدمها البحار “باري تايلور” أمام المحكمة برئاسة الطبيب الشرعي “ديريك وينتر” في عام 2009، كانت تقشعر لها الأبدان: “كان هناك دوي انفجار هائل، وامتلأ المكان بالدخان على الفور. دفعتني موجة الانفجار بقوة… كانت الرؤية شبه معدومة. عندما دخلنا لاحقاً، كان هناك سخام أسود في كل مكان، وشظايا معدنية، ودماء تغطي الأرضيات”.

عاش الطاقم أربعين دقيقة من الرعب الخانق وسط نيران ودخان سام وراء أبواب ملتوية. قُتل “هانترود” متأثراً بإصاباته المتعددة، بينما اختنق “ماكان” بغاز أول أكسيد الكربون، وهو الشاب الذي كان يستعد لمغادرة البحرية وبدء حياة جديدة وتأسيس أسرة. إن الضغط النفسي المتولد من إدراك البحار أن حياته معلقة بخيط رفيع من التفاعلات الكيميائية، يولد حالة مستمرة من الرهاب أو ما يُعرف عسكرياً بـ”ثقافة التأقلم” مع الخطر والموت المحتمل.

الخاتمة المفتوحة

في أعماق المحيطات، حيث لا يصل نور الشمس ولا صوت الرياح، يختلي الإنسان بعبقريته ومخاوفه. لقد تمكنت البشرية من ترويض أعنف التفاعلات النووية لاستخلاص الحياة من بين جزيئات الماء المالح، وصنعت عوالم معدنية تتحدى أعتى قوانين الطبيعة. لكن هذا الانتصار الباهر لم يأتِ بلا ثمن. إن رائحة مركب “أحادي إيثانول الأمين” التي لا تفارق أجساد البحارة، وندوب الحوادث الغائرة في تاريخ الأعماق، تذكرنا بهشاشة وجودنا. نحن كائنات من طين وضوء، اقتحمنا عوالم الضغط والظلام بآلاتنا، لكننا نترك في كل غوصة جزءاً من أرواحنا. ويبقى السؤال معلقاً في تلك الظلمة الباردة والموحشة: هل نحن حقاً نغزو المحيط ونروضه، أم أننا نختلس منه أنفاساً معدودة في سجون فولاذية من صنع أيدينا، منتظرين أن يسترد البحر ما له في أي لحظة؟


كيف يتم تحويل النفايات النووية القاتلة إلي زجاج أملس؟

By Mohamed Abdelmoreed Ahmed

Accountant, Programmer, and Founder of Horus Valley. Dedicated to documenting historical mysteries and psychological insights through a lens of logic and meticulous research.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE