500 year old gold dental bridge scotland
أقدم جسر أسنان ذهبي: أسرار جراحة فموية عمرها 500 عام في اسكتلندا

هل تخيلت يوماً أن هوس البشر بالحصول على ابتسامة مثالية هو أمر يقتصر على عصرنا الحديث؟ في زوايا التاريخ المنسية، وتحديداً قبل نحو 500 عام، كان هناك من يكافح للحفاظ على أسنانه باستخدام الذهب الخالص!

في اكتشاف أثري أذهل الأوساط العلمية، عثر باحثون على أقدم حالة معروفة لطب الأسنان الترميمي (Restorative Dentistry) في اسكتلندا. الاكتشاف عبارة عن جسر أسنان ذهبي دقيق يعود لرجل عاش في العصور الوسطى، مما يسلط الضوء على تقنيات طبية متقدمة سابقة لعصرها بكثير.

نُشرت تفاصيل هذا الاكتشاف الاستثنائي في “المجلة البريطانية لطب الأسنان” (British Dental Journal) في 24 أبريل 2026، ليضيف فصلاً جديداً ومثيراً إلى السجل التاريخي للرعاية الصحية الفموية.

تفاصيل الاكتشاف الأثري في كنيسة القديس نيكولاس

بدأت القصة في عام 2006 خلال عمليات تنقيب أثرية سبقت أعمال بناء في كنيسة “إيست كيرك أوف سانت نيكولاس” (East Kirk of St Nicholas) في مدينة أبردين الاسكتلندية. هذه الكنيسة، التي شيدت في القرن الحادي عشر واستمر استخدامها حتى الإصلاح البروتستانتي في أواخر القرن السادس عشر، كانت واحدة من أكبر وأغنى كنائس اسكتلندا في ذلك الوقت.

أسفرت الحفريات عن استخراج رفات أكثر من 900 شخص وما يقرب من 3.5 طن متري من العظام البشرية. ومن بين هذا الركام الهائل، لفت انتباه الباحثين فك سفلي استثنائي يخص رجلاً في منتصف العمر، عاش في الفترة ما بين 1460 و1670 ميلادية.

تقنية متطورة: جسر أسنان ذهبي عيار 20

على الرغم من أن الفك السفلي لم يُعثر عليه كجزء من هيكل عظمي كامل، إلا أن دراسة العظام وتآكل الأسنان أكدت أنه يعود لرجل بالغ. ما جعل هذا الفك فريداً من نوعه هو وجود سلك رفيع، يُعرف طبياً باسم “الرباط التقويمي” (Ligature)، ملفوفاً بعناية فائقة حول بعض الأسنان.

كشفت تحليلات المجهر الإلكتروني الماسح أن هذا السلك مصنوع من سبيكة ذهبية تتكون من 82.4% ذهب، و9.8% فضة، و2.5% نحاس، وهو ما يعادل في معاييرنا المعاصرة “ذهباً عيار 20”.

كان هذا السلك الذهبي ملتفاً بإحكام حول القاطع الجانبي الأيمن والقاطع المركزي الأيسر في الفك السفلي، ليمتد عبر الفجوة التي تركها السن المفقود (وهو القاطع المركزي الأيمن). وخلص الباحثون إلى أن هذا السلك كان يعمل كـ “جسر أسنان” (Dental Bridge) إما لتثبيت سن متخلخل، أو لتوفير دعامة صلبة لحمل “سن اصطناعي” (Fake Tooth).

ألم وتأقلم: شهادة علم الآثار الحيوي

لا شك أن الخضوع لإجراء طبي كهذا في العصور الوسطى، وبدون تخدير حديث، كان يمثل تجربة قاسية. وفي هذا السياق، صرحت الدكتورة “ريبيكا كروزير” (Rebecca Crozier)، عالمة الآثار الحيوية بجامعة أبردين والمؤلفة المشاركة في الدراسة، لموقع “لايف ساينس” (Live Science): “من المرجح أن عملية تركيب هذا الرباط الذهبي قد تسببت في قدر لا بأس به من الألم وعدم الراحة أثناء الإجراء”.

وتضيف الدكتورة كروزير أنه مع مرور الوقت، “من المحتمل جداً أن الرجل قد اعتاد على وجود السلك في فمه وربما توقف عن ملاحظته”. وما يثبت ذلك علمياً هو وجود تجويف ملحوظ (Groove) محفور في جذر أحد الأسنان التي استند إليها السلك، مما يؤكد أن هذا الجسر الذهبي قد ظل في مكانه يحتك بالسن لفترة طويلة جداً قبل وفاة الرجل، ولم يتم تركيبه بعد الموت كطقس جنائزي.

صحة فموية متدهورة

ومن المثير للاهتمام أن هذا الرجل لم يكن يتمتع بصحة فموية جيدة بشكل عام. فقد احتفظ فكه السفلي بتسعة أسنان فقط، وأظهرت الفحوصات أنه كان يعاني من تراكم كثيف وطبقات صلبة من جير الأسنان (Plaque)، فضلاً عن وجود تسوس في ثلاثة أسنان، وإصابته بأمراض اللثة وانحسارها (Periodontal disease). ورغم أن سوء صحة الأسنان لم يكن أمراً غير عادي في أواخر العصور الوسطى، إلا أن محاولة هذا الرجل ترميم أسنانه بالذهب تُعد سابقة تاريخية في اسكتلندا.

من الذي صنع هذه الابتسامة الذهبية؟

بما أن طب الأسنان لم يصبح مهنة طبية رسمية ومستقلة إلا في القرن التاسع عشر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: من قام بهذا العمل المعقد؟.

يعتقد الباحثون أن هذه العملية الجراحية الدقيقة تم إجراؤها على يد ممارس شبه ماهر (Semi-skilled practitioner). وتتجه التوقعات نحو صاغة الذهب المحليين، أو الحلاقين الجراحين، أو من كانوا يُعرفون بـ “أطباء الأسنان الأوائل” (Dentatores).

وتشير السجلات التاريخية إلى أنه في تلك الفترة، كان هناك ما لا يقل عن 22 صائغ ذهب يعملون في مدينة أبردين. لقد تم تشكيل هذا السلك الذهبي بمهارة عن طريق سحبه عبر لوحة سحب (Draw plate)، ثم شده وتثبيته باستخدام كماشة لعمل عقدة محكمة حول السن المركزي الأيسر. أي من هؤلاء الحرفيين كان قادراً على صنع هذا السلك الدقيق وعقده بتلك البراعة.

الذهب كرمز للثراء والمكانة الاجتماعية

لم تكن العناية بالأسنان في العصور الوسطى ترفاً متاحاً للجميع، بل كانت امتيازاً محصوراً في النخبة الثرية. من بين 100 هيكل عظمي تعود لأوائل العصر الحديث تم استخراجها من الموقع وتحليلها، كان هذا الرجل هو الوحيد الذي ظهرت عليه علامات التدخل الطبي الترميمي.

كانت التكلفة الباهظة لذهب عيار 20 والعمل الحرفي الدقيق تضع هذا العلاج خارج متناول الأشخاص العاديين تماماً. بالنسبة لهذا الرجل الثري، لم يكن الهدف من الجسر الذهبي مجرد القدرة على مضغ الطعام، بل كان للحفاظ على مظهره وابتسامته، كنوع من الوجاهة الاجتماعية (Status symbol) في مجتمع يربط بين المظهر الخارجي وقيمة الفرد.

يُذكرنا هذا الاكتشاف بحالة تاريخية مشابهة للنبيلة الفرنسية “آن داليغر” (Anne d’Alegre) التي عاشت في القرن السادس عشر، والتي استُخدمت الأسلاك الذهبية في أسنانها لمحاولة تثبيتها ومنع تساقطها بسبب أمراض اللثة، في محاولة يائسة للحفاظ على ابتسامتها الأرستقراطية أمام المجتمع الفرنسي.

لمحة عن تاريخ طب الأسنان القديم: من مصر إلى اسكتلندا

لا يقف هوس الإنسان بصحة الفم عند اسكتلندا. فالتاريخ مليء بالأدلة التي تؤكد أن البشر مارسوا طب الأسنان منذ آلاف السنين:

  • مصر القديمة: تعود بعض أقدم الأمثلة على الأسلاك الذهبية والفضية المستخدمة كأربطة للأسنان إلى عام 2500 قبل الميلاد تقريباً (مثل ما يُعرف بجسر القطا السني “El-Quatta dental bridge”). ومع ذلك، يُعتقد أن العديد من هذه الأسلاك أُضيفت بعد الوفاة لإكمال جسد المتوفى قبل الدفن كجزء من المعتقدات الجنائزية.
  • سلوفينيا: قبل نحو 6500 عام، قام شخص ما بحشو ناب مكسور باستخدام شمع النحل (Beeswax).
  • باكستان: في العصر الحجري الحديث، وقبل حوالي 9000 عام، مارس البشر عملية “حفر” الأضراس كنوع من العلاج السني البدائي.
  • حضارات أخرى: هناك تقارير عن أربطة ذهبية في البرتغال في القرن الخامس عشر، وفرنسا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

خاتمة

يمثل هذا الاكتشاف الأثري في مدينة أبردين نقلة نوعية في فهمنا للرعاية الصحية في اسكتلندا ومسار الطب عبر العصور. إنه ليس مجرد “سلك ذهبي” قديم ملفوف حول بقايا عظام، بل هو قصة إنسانية عميقة عن رجل تحدى الألم وحدود التكنولوجيا المتاحة في عصره ليحافظ على اكتمال ابتسامته. هذا الجسر الذهبي هو دليل ساطع على أن رغبتنا الفطرية في العناية بمظهرنا هي رغبة لا تعترف بزمان أو مكان، وأن جذور طب الأسنان الحديث تضرب في أعماق التاريخ أكثر بكثير مما كنا نظن.

trKJbH9hh2bVCbcocBTjz4 1024 80.png
A man in Scotland had an early dental bridge made using a gold wire.
(Image credit: Jenna Dittmar; (CC BY 4.0))

By Mohamed Abdelmoreed Ahmed

Accountant, Programmer, and Founder of Horus Valley. Dedicated to documenting historical mysteries and psychological insights through a lens of logic and meticulous research.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE