
أسرار احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي: إلى متى سيكفي حقاً؟
هل تساءلت يوماً ماذا سيحدث لو توقفت إمدادات النفط فجأة؟ في عالم تقوده الطاقة، تُعد الاستعدادات للأزمات ضرورة لا غنى عنها، وهنا يبرز تساؤل بالغ الأهمية: إلى متى يمكن أن يكفي احتياطي النفط في الولايات المتحدة؟
عندما يتحدث المواطن الأمريكي عن “احتياطيات النفط“، فإنه في الواقع يشير إلى ما يُعرف بـ احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي (SPR). هذا الاحتياطي ليس سوى كنز حكومي ضخم من النفط الخام، يقبع في أعماق الأرض داخل أربعة كهوف ملحية عملاقة تمتد على طول سواحل خليج تكساس ولويزيانا.
تُقدر السعة القصوى المعتمدة لهذه الاحتياطيات بحوالي 714 مليون برميل. ومن الجدير بالذكر أن أكبر كمية من النفط تم تخزينها في هذا الاحتياطي على الإطلاق بلغت 726.6 مليون برميل، وكان ذلك في 27 ديسمبر من عام 2009. أما في الآونة الأخيرة، وتحديداً في 14 أكتوبر 2022، فقد احتوى المخزون على 405.1 مليون برميل من النفط الخام. ولا تقتصر أهمية هذا الاحتياطي الهائل على كونه مجرد مخزون للطوارئ، بل يشكل رادعاً قوياً ضد أي انقطاع في واردات النفط، وأداة استراتيجية بالغة الأهمية في رسم معالم السياسة الخارجية الأمريكية.
وزارة الطاقة الأمريكية واحتياطي النفط الاستراتيجي
لم يأتِ تأسيس هذا الصرح البترولي من فراغ؛ فقد دفع حظر النفط الشهير الذي ضرب العالم بين عامي 1973 و1974 الحكومة الأمريكية إلى اتخاذ خطوات استباقية لإنشاء هذا الاحتياطي. كان الهدف الأساسي هو تعويض أي اضطراب مستقبلي في الإمدادات التجارية للنفط قد يهدد الأمن القومي أو الاقتصاد الأمريكي. علاوة على ذلك، كان إنشاء هذا الاحتياطي خطوة ضرورية للوفاء بالتزامات الولايات المتحدة تجاه متطلبات إمدادات النفط في حالات الطوارئ التي حددتها وكالة الطاقة الدولية (IEA).
تلعب وزارة الطاقة الأمريكية (DOE) الدور الأبرز في إدارة والإشراف على هذا الاحتياطي الاستراتيجي. فهو يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية أمن الطاقة في البلاد، ومصمماً خصيصاً لتوفير إمدادات حيوية يمكن الاستعانة بها فوراً في أوقات الطوارئ أو الانقطاعات الحادة في الإمدادات.
متى يُسمح بضخ النفط من الاحتياطي؟
لا يُعد الوصول إلى هذا المخزون أمراً يسيراً، فهو يخضع لشروط صارمة وعادةً ما يتطلب قراراً رئاسياً مباشراً. عند اتخاذ القرار بالسحب، تبلغ قدرة الضخ القصوى 4.4 مليون برميل يومياً. ومع ذلك، يستغرق الأمر 13 يوماً منذ صدور الأمر حتى يصل النفط فعلياً إلى السوق المفتوحة. والمثير للاهتمام أن مجرد الإعلان عن نية السحب يكون له في كثير من الأحيان تأثير فوري على الأسواق ويسهم في تهدئة أسعار النفط العالمية.
تتخذ معظم عمليات السحب شكل مبيعات أو صفقات تبادل. ولنا في إعصار كاترينا مثال حي؛ فعندما تسببت الأضرار الكارثية التي لحقت بمنطقة خليج المكسيك في اضطراب بالغ الخطورة في إنتاج النفط وتوزيعه، تدخل الرئيس آنذاك “جورج دبليو بوش” وأذن ببيع 30 مليون برميل كجزء من تحرك جماعي نسقته وكالة الطاقة الدولية.
عمليات السحب التاريخية: أرقام غير مسبوقة
شهدت الساحة السياسية والاقتصادية مؤخراً عمليات سحب تُعد الأضخم في التاريخ المعاصر. ففي 19 أكتوبر 2022، أعلن الرئيس جو بايدن طرح 15 مليون برميل إضافية من الاحتياطي الاستراتيجي في أسواق الخام ليتم تسليمها في ديسمبر. جاء هذا الإعلان ليكمل حزمة السحب التاريخية والبالغة 180 مليون برميل والتي أُعلن عنها في 31 مارس 2022.
هذا الإعلان الأخير كان الأكبر من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث التزمت الإدارة بضخ مليون برميل يومياً في الأسواق – كل يوم – لمدة ستة أشهر متواصلة. وأوضح البيت الأبيض في بيان رسمي آنذاك: “لم يشهد العالم من قبل سحباً من احتياطيات النفط بمعدل مليون برميل يومياً طوال هذه المدة. هذا السحب القياسي سيمثل جسراً حيوياً حتى نهاية العام لتعزيز الإمدادات ريثما يرتفع الإنتاج المحلي”.
وقد سبق ذلك قرار في 2 مارس 2022 من قِبل وزارة الطاقة ببيع 30 مليون برميل من النفط الخام بالتنسيق مع الحلفاء والشركاء الدوليين. وتأتي هذه التحركات كرد فعل مباشر على تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث قام بايدن في 8 مارس 2022 بحظر كافة واردات النفط والغاز والطاقة الروسية لفرض عقوبات مشددة على فلاديمير بوتين.
لغة الأرقام: إلى متى يمكن أن يصمد الاحتياطي؟
في إعلانه الصادر في 18 أكتوبر، أشار الرئيس بايدن إلى نية الإدارة إعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي، مع خطط لشراء النفط الخام عندما تنخفض الأسعار وتستقر بين 67 و 72 دولاراً للبرميل (ولوضع الصورة في سياقها الصحيح، كان سعر البرميل يتداول عند حوالي 85 دولاراً في 19 أكتوبر 2022).
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما هي المدة الزمنية التي قد يصمد فيها هذا الاحتياطي في حال حدث استنزاف كامل؟ على الرغم من أن احتياطي النفط الاستراتيجي قد أثبت كفاءته كدرع واقٍ موثوق ضد الأزمات قصيرة الأمد، إلا أنه من الصعب تخيل سيناريو كارثي تنفد فيه الولايات المتحدة تماماً من النفط. في حال اضطر الرئيس لطلب سحب طارئ ومكثف، فإن الجدول الزمني للضخ يكون كالآتي:
- الحد الأقصى للسحب: يتم ضخ 4.4 مليون برميل يومياً لمدة تصل إلى 90 يوماً.
- تراجع المعدل الأول: ينخفض معدل السحب تدريجياً إلى 3.8 مليون برميل يومياً لمدة 30 يوماً إضافية.
- التراجع الأخير: ينخفض المعدل مجدداً ويستمر في التراجع لمدة تصل إلى 180 يوماً لحين نفاد المخزون تماماً.
أما في حال اختار الرئيس ضخ مليون برميل يومياً فقط، فإن المخزون (الذي كان يبلغ 405.1 مليون برميل في أكتوبر 2022) كان سيكفي لمدة تزيد قليلاً عن عام واحد، بافتراض عدم وجود أي مصادر نفطية أخرى أو إعادة ملء الخزانات.
ولكن يجب ألا نغفل عن الصورة الأكبر: سجلت الولايات المتحدة متوسط استهلاك ضخم بلغ حوالي 19.89 مليون برميل يومياً في عام 2021. بناءً على ذلك، فإن ضخ مليون برميل إضافي في اليوم لن يصمد طويلاً، وسيبدو مجرد قطرة في بحر أمام الاحتياجات الهائلة للاقتصاد الأمريكي.
ختاماً، يمكن القول إن احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي يمثل قوة ضاربة في أوقات الأزمات الخانقة، ولكنه مُصمم ليكون “جسر عبور” مؤقتاً لتخفيف الصدمات ودعم الأسواق حتى تستعيد آلة الإنتاج المحلي عافيتها، وليس حلاً سحرياً دائماً لتلبية الطلب اللانهائي على الطاقة.
