
أخطر 10 دول في العالم: أين تنعدم مساحات الأمان؟
بينما نبحث جميعاً عن الأمان والاستقرار في حياتنا اليومية، تظل هناك بقع جغرافية على خريطة العالم يمثل العنف والنزاعات المسلحة فيها واقعاً يومياً مريراً. رغم أن الحوادث السيئة قد تقع حتى في أكثر الدول أماناً من الناحية الإحصائية، إلا أن هناك أماكن ترتفع فيها احتمالات التعرض للعنف إلى مستويات مرعبة.
عند الحديث عن تحديد أخطر 10 دول في العالم، يبرز أحد المصادر المرموقة عالمياً، وهو “معهد الاقتصاد والسلام” (IEP). يُعرف هذا المعهد بأنه مؤسسة بحثية دولية غير حزبية تتخذ من مدينة سيدني الأسترالية مقراً لها، ويركز على قياس السلام كمعيار إيجابي وملموس لرفاهية الإنسان وتقدمه. يُصدر المعهد سنوياً “مؤشر السلام العالمي” (GPI) الذي يقيّم مستويات السلام في 163 دولة وإقليماً مستقلاً حول العالم.
تكلفة مرعبة لغياب السلام
العنف حول العالم لا يتسبب فقط في الموت والمعاناة الإنسانية التي تفطر القلوب، بل يفرض أيضاً أعباء اقتصادية هائلة تكاد تعصف بمقدرات الدول. وبحسب حسابات معهد الاقتصاد والسلام، بلغت التكلفة الاقتصادية العالمية للعنف في عام 2023 رقماً فلكياً يقدر بـ 19.1 تريليون دولار أمريكي، مما أدى إلى اقتطاع ما نسبته 13.5 بالمائة من الإنتاج الاقتصادي العالمي. وبعبارة أخرى، فإن تكلفة العنف تبلغ حوالي 2380 دولاراً لكل إنسان على وجه الأرض.
بناءً على أحدث بيانات المؤشر لعام 2024، نستعرض معكم قائمة أخطر 10 دول في العالم، بدءاً من المركز العاشر وصولاً إلى الدولة التي تقبع في القاع كأخطر مكان على الإطلاق.
10. مالي (Mali): إرهاب يتربص في الظل
تحتل دولة مالي المركز العاشر في قائمة أخطر دول العالم، بعد أن تراجعت مرتبتين بين تصنيفي مؤشر السلام العالمي لعامي 2023 و2024. وفي السياق الإقليمي، تُعد مالي ثالث أقل الدول أماناً في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وذلك من أصل 44 دولة شملها تحليل المعهد.
نظراً لتدهور الأوضاع الأمنية، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية مالي، اعتباراً من 31 يوليو 2023، ضمن قائمة الدول التي يُنصح بشدة بـ “عدم السفر” إليها (Do Not Travel)، مشيرة إلى أن الاختطاف، السطو المسلح، والجرائم العنيفة الأخرى أصبحت أسباباً كافية لتجنب المنطقة.
ووفقاً لبيان الخارجية الأمريكية: “تواصل الجماعات الإرهابية والمسلحة التخطيط لعمليات اختطاف وهجمات في مالي. قد تهاجم هذه الجماعات دون سابق إنذار، مستهدفة النوادي الليلية، الفنادق، المطاعم، دور العبادة، البعثات الدبلوماسية الدولية، وغيرها من المواقع التي يرتادها الأجانب”. ولم يقتصر أثر هذا العنف على الأرواح فحسب، بل امتد لينهش جسد الاقتصاد المحلي، حيث تعادل التكلفة الاقتصادية للعنف في مالي حوالي 15.3 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي.
9. إسرائيل (Israel): صراع مستمر وتداعيات إقليمية
شهدت إسرائيل رابع أكبر تراجع في مستوى السلام من بين جميع الدول الـ 163 المدرجة في مؤشر السلام العالمي، حيث تراجعت 11 مرتبة دفعة واحدة بين عامي 2023 و2024 لتدخل رسمياً ضمن قائمة أخطر 10 دول.
يعود هذا التدهور الحاد بشكل رئيسي إلى أحداث 7 أكتوبر 2023، عندما شنت حركة حماس هجوماً، مما دفع إسرائيل للرد بعمليات عسكرية قاسية أسفرت عن اندلاع أحد أكثر النزاعات دموية خلال الخمسين عاماً الماضية. وبحسب تقرير معهد الاقتصاد والسلام، فإن “التقديرات الأخيرة تشير إلى مقتل أكثر من 35,000 شخص في هذا الصراع، رغم أن العدد الحقيقي يُرجح أن يكون أعلى بكثير”.
مع استمرار الصراع في قطاع غزة كمصدر رئيسي للاضطرابات، تكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر فادحة؛ إذ سجل الأثر الاقتصادي للعنف زيادة مهولة بلغت 40 بالمائة بين عامي 2023 و2024.
8. سوريا (Syria): أزمة إنسانية مستدامة
رغم أن سوريا شهدت تحسناً طفيفاً في مؤشر الاستقرار السياسي نتيجة إحكام الرئيس بشار الأسد قبضته على السلطة، إلا أن تداعيات الحرب الأهلية التي امتدت لأكثر من عقد لا تزال ترخي بظلالها الكارثية على البلاد. ولهذا السبب، يُصنف المعهد سوريا كثامن أخطر دولة في العالم.
خلفت الحرب السورية وراءها أزمة إنسانية مروعة، حيث تقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن ما يقرب من 5.5 مليون شخص – نسبة كبيرة منهم من الأطفال – قد فروا من سوريا منذ اندلاع القتال، ليصنعوا بذلك أكبر أزمة لاجئين يشهدها العالم منذ عقود طويلة. علاوة على ذلك، يشير التقرير إلى أن سوريا سجلت التدهور الأكبر على الإطلاق فيما يخص “تصورات الجريمة” وانعدام الأمن المجتمعي.
7. روسيا (Russia): حرب غيرت وجه أوروبا
في 24 فبراير 2022، شنت روسيا غزواً على أوكرانيا، لتدشن بذلك أكبر حرب تشهدها القارة الأوروبية منذ حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي. ووفقاً لبيانات معهد الاقتصاد والسلام، “شهد الصراع الروسي الأوكراني سقوط أكثر من 2,000 قتيل شهرياً تقريباً على مدار العامين الماضيين”.
المفارقة أنه رغم أن منطقة روسيا وأوراسيا كانت المنطقة الوحيدة التي أظهرت تحسناً نظرياً في مستويات السلام خلال العام الماضي، إلا أن المعهد يؤكد أن “المستويات العامة للسلام في المنطقة لا تزال منخفضة جداً، والسبب الأساسي في ذلك هو الصراع الدموي الدائر بين أوكرانيا وروسيا”.
6. جمهورية الكونغو الديمقراطية (DRC): ثروات منهوبة ونزاعات حدودية
تحتل جمهورية الكونغو الديمقراطية المرتبة السادسة، ويرجع ذلك جزئياً إلى تدهور العلاقات في عام 2020 مع جارتها زامبيا بسبب نزاعات حول الأراضي، مما أدى إلى مناوشات حدودية مقلقة.
إلى جانب القوات الوطنية، دخلت جماعات مسلحة على خط النزاعات، بما في ذلك فصائل متمردة مثل “حركة 23 مارس” (M23)، التي سعت للسيطرة على قطاع التعدين. نتيجة لذلك، لا يزال ما لا يقل عن 5.6 مليون شخص نازحين داخل البلاد.
في 9 أغسطس 2024، صنفت الخارجية الأمريكية الكونغو كدولة يجب “إعادة النظر في السفر” إليها، محذرة من أن “الجرائم العنيفة، مثل السطو المسلح واقتحام المنازل، شائعة جداً. وتفتقر الشرطة للموارد اللازمة للاستجابة، كما أن المهاجمين قد يتنكرون في هيئة رجال شرطة أو عملاء أمن”.
5. أوكرانيا (Ukraine): تكلفة اقتصادية وبشرية باهظة
تراجعت أوكرانيا ثلاث مراتب في مؤشر هذا العام. وبحسب المعهد، “تشير أحدث الأرقام إلى وقوع أكثر من 83,000 حالة وفاة ناجمة عن الصراع الداخلي في أوكرانيا وحدها خلال العام الماضي، مما يعني أن أكثر من نصف جميع وفيات الصراعات العالمية في 2023 حدثت في هذا النزاع”.
نتيجة لهذا الصراع، يُقدر أن 30 بالمائة من سكان أوكرانيا أصبحوا نازحين، في قفزة مرعبة مقارنة بـ 1.7 بالمائة فقط قبل الغزو. على الصعيد الاقتصادي، بلغت التكلفة الاقتصادية للعنف في أوكرانيا ما يوازي 68.6 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وهي النسبة الأعلى بين جميع الدول المدرجة في المؤشر.
4. أفغانستان (Afghanistan): تراجع حقوقي وعزلة متزايدة
منذ استيلاء حركة طالبان على السلطة عام 2021، أصبحت البلاد في عزلة، ولم يُسمح سوى لعدد قليل بالمغادرة. ووفقاً لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، نفذت طالبان إعدامات بحق مسؤولين سابقين وداهمت منازل نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان.
تتعرض حقوق النساء لهجوم منهجي، وتم إقصاء العديد منهن من وظائفهن القيادية. بلغة الأرقام، التهم العنف 53.2 بالمائة من ناتج أفغانستان المحلي في 2023، وشهدت البلاد التدهور الأكبر في فئتي “العسكرة” والأمن الداخلي.
3. جنوب السودان (South Sudan): استقلال لم يجلب السلام
انفصلت هذه الأمة الإفريقية عن السودان لتصبح دولة مستقلة عام 2011، لكن النزاعات المستمرة أبقتها في حالة غليان. تشير الخارجية الأمريكية إلى وقوع انتهاكات مروعة، بما في ذلك “مستويات مروعة من العنف الجنسي”، مما أجبر حوالي 4 ملايين شخص على الفرار من منازلهم.
شهد الصراع تصاعداً حاداً، حيث فقدت البلاد 39.7 بالمائة من ناتجها المحلي بسبب العنف في 2022. ورغم التحسن الطفيف في 2023، استمر العنف في التهام 13.9 بالمائة من اقتصادها المنهك أصلاً.
2. السودان (Sudan): حرب الجنرالات وتمزق الداخل
في أبريل 2023، اندلع صراع طاحن بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع (RSF). ووفقاً للأمم المتحدة، أدت الحرب إلى نزوح 8.6 مليون شخص ومقتل أكثر من 14,000 شخص.
أسفر الصراع عن نقص حاد في الغذاء وزيادة بنسبة 50 بالمائة في تقارير الاعتداءات الجنسية. وحتى قبل هذا التصعيد، كان الصراع في السودان يتصاعد، مما أدى لخسارة 29.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بسبب العنف في 2023.
1. اليمن (Yemen): القعر المأساوي لمؤشر السلام العالمي
اليمن هو الدولة “الأقل سلاماً” على وجه الأرض لعام 2024. هذه هي المرة الأولى التي يُصنف فيها بالمرتبة الأخيرة، حيث هوى 24 مرتبة خلال 18 عاماً.
اليمن هو الأقل أماناً في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مسجلاً تدهوراً حاداً في الاستقرار السياسي. يقول التقرير: “تفاقمت الصراعات الداخلية في اليمن بسبب التوترات الإقليمية. هجمات الحوثيين ضد أهداف إسرائيلية زادت عدم الاستقرار بتهديد طرق الملاحة البحرية. ورداً على ذلك، كثفت أمريكا وبريطانيا تدخلهما العسكري بضربات جوية منذ يناير 2024”.
وبحسب مجلس العلاقات الخارجية، هناك أكثر من 4.5 مليون يمني نازحون، بينما يحتاج 21.6 مليون شخص بشكل عاجل للمساعدات، مما يجسد مدى قتامة الكارثة الإنسانية هناك.
خاتمة
إن استعراض قائمة أخطر 10 دول في العالم ليس مجرد سرد لأرقام مجردة، بل هو دعوة للتأمل في المعاناة الإنسانية التي يتكبدها ملايين البشر يومياً. فالتكلفة الاقتصادية الباهظة للعنف لا تساوي شيئاً أمام فقدان الأرواح وتشريد العائلات. إن بناء مجتمعات آمنة يتطلب تكاتفاً دولياً لمعالجة جذور هذه النزاعات قبل أن تلتهم المزيد من مقدرات كوكبنا.
