why do we freeze in fear not fight or flee
لماذا نتجمد من الخوف ولا نهاجم أو نهرب؟ التفسير العلمي الكامل

لماذا نتجمد من الخوف ولا نهاجم أو نهرب؟ التفسير العلمي الكامل

كثيراً ما يتردد على مسامعنا مصطلح استجابة القتال أو الهرب (Fight-or-Flight)، وهي تلك الآلية الدفاعية البيولوجية التي وهبنا إياها التطور لتمكننا من النجاة في المواقف المرعبة والمهددة للحياة.

بفضل هذه الاستجابة، يمكنك القيام بردود فعل سريعة جداً؛ مثل القفز بعيداً لتجنب سيارة مسرعة، أو الدفاع عن نفسك بشراسة عندما يهاجمك شخص ما.

هذه الاستجابات اللحظية هي ما يحدد في النهاية فرص بقائنا على قيد الحياة.

لكن، وفي كثير من الأحيان، ينتهي المطاف بالعديد منا في مواقف الخطر بالوقوف بلا حراك، تماماً مثل غزال أعمته أضواء السيارات الساطعة ليلاً؛ متجمدين في مكاننا وغير قادرين على إتيان أي حركة.

 

ربما تكره فكرة التحدث أمام الجمهور, تستعد بجنون لخطابك، وتتدرب على إلقائه أمام المرآة مليون مرة.

تتخيل نفسك أمام الحشد، وتختبر أداءك على العائلة والأصدقاء, لقد تدربت كثيراً لدرجة أنك حفظت الخطاب عن ظهر قلب وبكل تفاصيله.

ومع ذلك، عندما يحين الوقت للوقوف فعلياً على المسرح أمام الجمهور، فإنك تتجمد تماماً!

 

لماذا نفعل ذلك؟ ولماذا تختار أدمغتنا هذه الاستجابة، خاصة وأن التجمد من الخوف يمكن أن يجعل الأمور أسوأ بكثير في بعض الحالات، مثل الوقوف بلا حراك في طريق سيارة مسرعة بدلاً من الهرب؟ ماذا يحدث بالضبط داخل أجسامنا ويسبب استجابة التجمد هذه؟

 

لماذا نتجمد من الخوف؟

في حدث افتراضي مخيف، تخيل أنك ضللت طريقك في غابة واقتربت بشدة من نمر (أو أسد، أو ذئب، أو فيل هائج، اعتماداً على إحداثيات موقعك الجغرافي).

في تلك اللحظة الحاسمة، ستنشط مناطق معينة في دماغك لتوجيهك لاتخاذ أحد القرارات: إما القتال، أو الهرب، أو التجمد كاستجابة فورية للتهديد.

 

إلى جانب هذه الاستجابات الثلاث المعروفة، يمكن لجسمك أيضاً أن يواجه ما يُعرف بـ الجمود التوتري (Tonic immobility) أو الجمود الانهياري (Collapsed immobility) عندما يدرك الدماغ أن القتال أو الهرب أمران مستحيلان. 



 

في الأوساط العلمية، يُطلق الباحثون على ظاهرة التجمد من الخوف مصطلح الجمود الانتباهي (Attentive immobility)، وغالباً ما يُعتبر هذا الجمود خطوة وسيطة ومؤقتة بين التعرض لمحفزات التوتر الشديد واتخاذ إجراء فعلي كالقتال أو الهرب.

 

يخبرك مصطلح «الجمود الانتباهي» بماهية هذه الحالة بدقة؛ فعندما تتجمد، يبدو وكأن كل شيء في العالم الخارجي يحدث بالتصوير البطيء.

 

يحدث هذا لأن دماغك يدفعك لإيلاء انتباه حذر ودقيق لكل التفاصيل الصغيرة التي تحدث حولك، من أجل تقييم الموقف بشكل سليم.

من منظور التطور البيولوجي، تتجمد الحيوانات أحياناً في البرية لتجنب اكتشافها ولتتمكن من مسح البيئة المحيطة بهدوء عندما تشعر بوجود حيوان مفترس.

فالحيوانات المفترسة تمتلك أجهزة بصرية غالباً ما تلتقط فرائسها من خلال رصد الحركة.

وبالتالي، فإن البقاء بلا حراك يعد استراتيجية بقاء ممتازة ومجربة، تمنح الفريسة فرصة ذهبية لعدم لفت الانتباه وتجنب الهجوم.

مثال اخر :

لنفترض أنك شرطي مكلف بالقبض على عصابة , أنت وفريقك داخل مبنى مهجور، في منطقة إطلاق نار نشطة. تختبئ خلف لوح خرساني عندما يظهر فجأة رجل أمامك يحمل مسدساً.

تتجمد لثوانٍ معدودة، وبندقيتك مصوبة نحوه، قبل أن تدرك أنه في الواقع أحد أفراد فريقك.

بما أن هذه الظاهرة لا تدوم عادةً إلا لبضع ثوانٍ، فإن تركيزك الشديد أثناء التجمّد قد يُمكّنك من استيعاب ما تراه قبل أن تبدأ بالهجوم,في تلك الحالة، ستتنفس الصعداء على الأرجح لعلمك أنك لم تُصب أحدًا من جانبك.

 

ماذا يحدث داخل الجسم عندما نتجمد؟

يلعب الجهاز العصبي اللاإرادي (Autonomic nervous system) دوراً محورياً في إنتاج الاستجابات الفسيولوجية والسلوكية الدفاعية تجاه أي تهديد خارجي.

يتكون هذا الجهاز الحيوي بشكل أساسي من نظامين متضادين يكملان بعضهما البعض:

الجهاز العصبي السمبثاوي (الودي): وهو النظام المسؤول عن منحك الطاقة اللازمة للتعامل مع الخطر عبر إطلاق استجابة القتال أو الهرب.

الجهاز العصبي الباراسمبثاوي (نظير الودي): وهو النظام الذي يتولى مسؤولية تهدئة الجسم والتأكد من حصولك على الراحة والتعافي بعد زوال الخطر.

 

قد يعتقد البعض أن حالة التجمد تعني توقف هذه الأجهزة عن العمل، لكن الحقيقة العلمية مدهشة؛ فالتجمد، أو الجمود الانتباهي، هو ببساطة استجابة القتال أو الهرب قيد الانتظار.

 

أثناء فترة التجمد، يتم تنشيط كل من الجهازين السمبثاوي والباراسمبثاوي في نفس الوقت، مما يضع الجسم في حالة صراع داخلي هائل! 

ونتيجة لتنشيط النظام السمبثاوي، تحدث التغيرات التالية في جسمك:

  • زيادة كبيرة في القدرة على تحمل الألم.
  • تسارع في معدل التنفس لضخ المزيد من الأكسجين.
  • انقباضات عضلية قوية تجعلك تشعر بتوتر شديد وجاهزية تامة للحركة.

 

ومع ذلك، فإن النظام الباراسمبثاوي عادة ما يفرض سيطرته ويهيمن على وظائف الجسم أثناء استجابة التجمد، وهذا هو السبب الفسيولوجي المباشر الذي يؤدي إلى انخفاض معدل ضربات القلب (Bradycardia)، مما يجعلك تبدو هادئاً من الخارج رغم العاصفة التي تدور بداخلك.

دور الدماغ في إحداث الشلل المؤقت

داخل الدماغ، تقوم المحفزات المخيفة بتنشيط اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي مركز الخوف والإنذار الرئيسي في الدماغ. بمجرد تنشيطها، ستقوم اللوزة الدماغية بتنبيه منطقة تحت المهاد (Hypothalamus) لتوليد الاستجابة السمبثاوية، وفي الوقت نفسه تقوم بتنشيط نوى النخاع المستطيل (Medullar nuclei) لتوليد الاستجابة الباراسمبثاوية المهدئة.

لكن هذا ليس كل شيء! إذا كنت تتذكر، فإن التجمد يضع توقفاً مؤقتاً لرد فعل القتال أو الهرب، فكيف يتسبب الدماغ في شل حركتك؟

إلى جانب الروابط العصبية المذكورة أعلاه، ترتبط اللوزة الدماغية أيضاً بهيكل عصبي هام في الدماغ يُسمى المادة الرمادية المحيطة بالمسال البطنية الجانبية (vlPAG).

 

أثناء الدخول في حالة التجمد، يؤدي تنشيط منطقة (vlPAG) إلى تثبيط نشاط منطقة أخرى مجاورة تُعرف باسم المادة الرمادية المحيطة بالمسال الجانبية (Lateral PAG)، والتي تلعب دوراً أساسياً في تنفيذ استجابة القتال أو الهرب.

 

نظراً لأن منطقة (Lateral PAG) هي المسؤولة المباشرة عن النشاط الحركي، فإنك تصبح غير قادر على الحركة وتصاب بالشلل المؤقت أو التجمد التام بمجرد تثبيط هذه المنطقة العصبية.

 

كلمة أخيرة

رغم أن شعور التجمد من الخوف قد يبدو مرعباً ومقلقاً، خاصة في المواقف التي تتطلب استجابة سريعة لإنقاذ حياتك، إلا أنه من حسن الحظ أن هذه المرحلة مؤقتة تماماً.

على الرغم من أنك قد تبدو عاجزاً ولا تستطيع الحركة أثناء الجمود الانتباهي، إلا أن التوتر العضلي لديك يكون في أعلى مستوياته وفي حالة تأهب قصوى بفضل عمل الجهاز العصبي السمبثاوي في الكواليس.

هذا الاستعداد العضلي الفائق يسمح لك بالانطلاق في العمل واتخاذ رد فعل مفاجئ وسريع في اللحظة التي يرفع فيها الدماغ حالة التجمد، مما يمكنك من اتخاذ قرارك النهائي في جزء من الثانية؛ سواء كان ذلك بالقتال للدفاع عن نفسك بشراسة، أو الهرب بأقصى سرعة للنجاة بحياتك.

 

 

 

References

Roelofs, K. (2017, February 27). Freeze for action: neurobiological mechanisms in animal and human freezing. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences. The Royal Society.

Kozlowska, K., Walker, P., McLean, L., & Carrive, P. (2015, July). Fear and the Defense Cascade. Harvard Review of Psychiatry. Ovid Technologies (Wolters Kluwer Health).

Riskind, J. H., Sagliano, L., Trojano, L., & Conson, M. (2016, April 19). Dysfunctional Freezing Responses to Approaching Stimuli in Persons with a Looming Cognitive Style for Physical Threats. Frontiers in Psychology. Frontiers Media SA.

Study finds ‘frozen’ fear response may underlie PTSD. The Vanderbilt University Medical Center

Understanding the stress response – Harvard Health. Harvard University

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE