why do we follow social norms personal freedom
لماذا نلتزم بالمعايير الاجتماعية حتى وإن قيدت حريتنا الشخصية؟

هل تساءلت يوماً عن سبب وقوفك بصبر في طابور طويل؟ أو كيف تعرف بالضبط ما يجب عليك فعله عند دخولك إلى مطعم؟ تتوجه إلى طاولة مخصصة لك، تتصفح قائمة الطعام، تطلب وجبتك، وبعد الانتهاء تدفع الفاتورة وربما تترك إكرامية للنادل.

وبالمثل، في دور السينما، تدرك تلقائياً أنه يجب عليك إظهار التذكرة، البحث عن مقعدك، إغلاق هاتفك المحمول، والتزام الصمت التام بمجرد بدء الفيلم.

إذا قمت بخرق أي من هذه القواعد غير المكتوبة – مثل تخطي الطابور، أو التحدث بصوت عالٍ أثناء الفيلم، أو رفض دفع الإكرامية – فمن المحتمل أن تواجه نظرات استهجان، أو توبيخاً، أو حتى الطرد.

في معظم الأوقات، نحن نلتزم بهذه المعايير الاجتماعية دون أن يطلب منا أحد ذلك صراحة، حتى وإن تطلب الأمر التخلي عن جزء من حرياتنا الشخصية. فما السبب وراء ذلك؟

ما هو الامتثال الاجتماعي (Conformity)؟

يُعرف الامتثال الاجتماعي بأنه تغيير في السلوك أو المعتقدات ليتوافق مع أفعال وقناعات الجماعة.

نحن نتنازل عن بعض حرياتنا الشخصية للامتثال للمعايير الاجتماعية لأن هذه المعايير توفر الاستقرار والنظام داخل المجتمع.

وقد اهتم علماء النفس الاجتماعي بدراسة ما يقدمه اتباع هذه القواعد للأفراد والمجتمعات على حد سواء وكيف ينعكس ذلك على حياتنا اليومية.

لماذا نتبع المعايير الاجتماعية ونضحي بحريتنا؟

عندما نفكر في مفهوم الامتثال لأول وهلة، قد نعتبره أمراً مزعجاً؛ إذ يبدو وكأنه قيد يُفرض على حريتنا الشخصية وقراراتنا الفردية.

ولكن الحقيقة الجوهرية هي أنه بدون الامتثال، سيتحول عالمنا إلى فوضى عارمة وبسرعة فائقة.

تخيل لو أن أحداً لا يلتزم بقواعد إشارات المرور! سيعم الخراب؛ لن يتبع الناس مساراتهم المحددة في القيادة، وسيكون هناك ارتباك تام أثناء عبور الطرق، مما سيؤدي حتماً إلى حوادث مرورية بسيطة وكارثية.

تعمل المعايير الاجتماعية على القضاء على حالة عدم اليقين في الحياة الاجتماعية.

سواء كانت هذه المعايير رسمية أو غير رسمية، فإن معظمنا يتبعها في أغلب الأوقات.

على سبيل المثال، بغض النظر عن الانتماءات السياسية، يقف الجميع تقريباً عند عزف النشيد الوطني لبلادهم، تماماً كما يشعر معظم الناس بضرورة التزام الصمت في المسرح.

في غياب هذه المعايير التي توجهنا، يمكن أن تصبح أفعالنا غير متوقعة، بل وخطيرة أيضاً.

سبب آخر يدفع الناس لاتباع المعايير الاجتماعية هو الرغبة في الظهور بمظهر لائق أمام الآخرين، وبناء صورة “المواطن الصالح” الذي يحترم القواعد.

نحن نفعل ذلك لنندمج مع من حولنا ونشعر بأننا جزء لا يتجزأ من مجتمعنا.

نظراً لأن الامتثال حقيقة أساسية في الحياة الاجتماعية، فقد حاول الباحثون فهم أسباب حدوثه بدقة.

وفيما يلي، سنغطي فكرتين رئيسيتين توصلت إليهما الأبحاث حول أسباب ميلنا للامتثال لمعايير الجماعة في أغلب الأحيان.

الدوافع النفسية وراء الامتثال لمعايير الجماعة

1. التأثير الاجتماعي المعياري (Normative Social Influence)

منذ الأيام الأولى في حياتنا، نتعلم كبشر أننا عندما نتفق مع الآخرين، فإنهم يميلون إلى الإعجاب بنا ومحبتنا.

وبسبب هذا الاستحسان الذي نحصل عليه من الآباء والمعلمين والأصدقاء وغيرهم من الأشخاص المؤثرين في حياتنا، ينتهي بنا المطاف بالاتفاق معهم بشكل متكرر، بل ونتلقى تعزيزاً إيجابياً ومكافآت نفسية للقيام بذلك.

نحن نحصل على قبول الآخرين من خلال التشابه معهم في الأفكار والتصرفات.

هذه الحاجة المُلحة والعميقة في النفس البشرية لنكون محبوبين، ومقبولين، ومعترفاً بنا من قبل الآخرين هي واحدة من أقوى الدوافع الأساسية وراء الامتثال.

يُعرف هذا المفهوم في علم النفس بـ التأثير الاجتماعي المعياري، حيث نتأثر باتباع المعايير الاجتماعية من أجل الحصول على الإعجاب والتحقق من صحة انتمائنا للمجموعة.

2. التأثير الاجتماعي المعلوماتي (Informational Social Influence)

من ناحية أخرى، إذا كان الجميع في محيطنا يؤمنون برأي معين أو يتصرفون بطريقة محددة، فإننا نميل تلقائياً إلى الشعور بأنه لا بد أن يكون هناك بعض الحقيقة أو الصواب في ذلك الرأي.

بهذه الطريقة، نحن نسمح للآخرين بتوجيه أفعالنا ومشاعرنا تجاه القضايا الاجتماعية المختلفة.

تُعرف هذه الظاهرة بـ التأثير الاجتماعي المعلوماتي، وذلك لأننا نستخدم المعلومات التي نجمعها من مراقبة الآخرين كدليل للتأثير على سلوكنا وتوجيه قراراتنا.

يكون هذا التأثير في أعلى مستوياته في المواقف الغامضة أو عندما لا نكون متأكدين مما هو “دقيق” أو “صحيح” بشأن وجهة نظر أو سلوك معين.

في المقابل، عندما نتمتع بالثقة الكافية في أنفسنا وفي قدرتنا على تقييم الأمور بشكل مستقل، فإننا لا نعتمد كثيراً على تصرفات الآخرين كدليل لنا.

تطور المعايير الاجتماعية: لسنا مجرد “قطيع”

من الأهمية بمكان أن ندرك أننا لا نتبع المعايير الاجتماعية كالقطيع المساق بطريقة عمياء.

في الواقع، المعايير الاجتماعية تُصنع وتُشكل في المقام الأول من قبلنا نحن؛ الأشخاص الذين يشكلون هذا المجتمع.

لهذا السبب، مع تغير الناس والمجتمعات وتطور مستويات الوعي، تتغير المعايير الاجتماعية وتتطور لتعكس روح العصر. تشمل الأمثلة العملية على ذلك:

  • حصول المرأة على حق التصويت والمشاركة السياسية.
  • حرية النساء في بناء مسيراتهن المهنية الخاصة والتفوق في ميادين العمل.
  • تقبل بل وترحيب المجتمع بقيام الرجال بأعمال الطبخ والمهام المنزلية التي كانت تُعتبر يوماً ما مهاماً مقتصرة على النساء فقط.

كل هذه أمثلة حية توضح كيف أن القواعد غير المكتوبة تتطور وتتشكل بمرور الوقت كنتيجة طبيعية لتغير بنية المجتمع بشكل جذري وتوسع آفاقه.

خلاصة

في النهاية، قد يبدو اتباع المعايير الاجتماعية بمثابة تنازل عن جزء من حريتنا الشخصية، إلا أنه في جوهره بمثابة “عقد اجتماعي” غير مكتوب يضمن لنا العيش في بيئة مستقرة، آمنة، وخالية من الفوضى.

إن فهمنا لدوافع الامتثال، سواء كانت معيارية للحصول على القبول، أو معلوماتية للبحث عن الصواب، يساعدنا على أن نكون أكثر وعياً بسلوكياتنا.

نصيحتنا لك: التزم بالقواعد التي تحفظ النظام العام وتحترم راحة الآخرين، ولكن حافظ دائماً على تفكيرك النقدي واستقلاليتك في المواقف التي تتطلب تقييماً شخصياً بعيداً عن ضغط الجماعة.

 

References :

  1. Cialdini, R. B., & Goldstein, N. J. (2004, February 1). Social Influence: Compliance and Conformity. Annual Review of Psychology. Annual Reviews.
  2. Deutsch, M., & Gerard, H. B. (1955, November). A study of normative and informational social influences upon individual judgment. The Journal of Abnormal and Social Psychology. American Psychological Association (APA).
  3. (1967) Asch Conformity Studies – JSTOR. JSTOR
  4. Baron, R. S., Vandello, J. A., & Brunsman, B. (1996). The forgotten variable in conformity research: Impact of task importance on social influence. Journal of personality and social psychology, 71(5), 915.
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE