why do some people have a better sense of direction than others 1

هل سبق لك أن ذهبت في رحلة تخييم او مكان جديد مع أصدقائك وشعرت بأنك هالك لا محالة إذا ضللت الطريق بدون صديقك “الملاح الخبير“؟ لا تقلق، لست وحدك في هذا الشعور.

كثيراً ما يتعرض البعض للسخرية بسبب انعدام حس الاتجاه لديهم تماماً.

بالنسبة لهؤلاء، يمثل التنقل في أماكن جديدة كابوساً حقيقياً, قد يصل الأمر ببعض الأشخاص إلى درجة الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) للوصول إلى متجرهم المفضل، حتى وإن كان يقع في نهاية الشارع! بينما لا يشعر آخرون بالارتباك إلا عندما يحاولون إيجاد طريقهم إلى مكان غير مألوف في الظلام.

إذا كان الآلاف من الناس يشعرون بهذا، فما الذي يجعل أصدقاءنا “الملاحين الخبراء مميزين إلى هذا الحد؟ للإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى التعمق في بيولوجيا الملاحة والإدراك المكاني.

لماذا يفشل بعضنا في تحديد الاتجاهات بشكل صحيح؟

يُعد عدم القدرة على إيجاد طريق العودة إلى المنزل خوفاً حقيقياً لدى الكثيرين، ولكن بمساعدة الأصدقاء الموثوقين والأجهزة الذكية، نتمكن من السفر والتجول حول العالم بثقة.

ومع ذلك، هناك بعض الأشخاص الذين يمثل هذا النقص في القدرة بالنسبة لهم كابوساً حقيقياً.

الأشخاص الذين يعانون من حالة تُعرف باسم الارتباك الطبوغرافي التنموي (Developmental Topographic Disorientation) يواجهون صعوبة أكبر بكثير في تقدير الاتجاهات مقارنة بالشخص العادي.

إن عدم قدرتهم على توجيه أنفسهم في بيئتهم يمكن أن يكون معيقاً لدرجة أن البعض قد يضيع داخل منزله الخاص!

على الرغم من أن هذه الحالة تمثل النسخة المتطرفة من ضعف حس الاتجاه، إلا أن معظمنا لا يزال يعاني بشكل أو بآخر.

وهناك عدة أسباب أخرى قد تجعلنا ننتهي مثل كريستوفر كولومبوس، لنكتشف أمريكا بالصدفة بدلاً من الوصول إلى الهند!

أحد هذه الأسباب قد يكون اعتمادنا المفرط على تقنية الـ GPS.

يقول روجر ماكينلاي في مقال نُشر في مجلة Nature إن “الملاحة هي مهارة إما أن تستخدمها أو تفقدها“.

نظراً لأن تحديد الاتجاهات يتطلب منك الانتباه إلى محيطك، وحفظ المعالم، وبناء خرائط ذهنية، فإن عدم استخدام هذه المهارات سيؤدي غالباً إلى إضعاف معرفتك وقدراتك المكانية.

وبالتالي، يبدو أن إيقاف تشغيل نظام تحديد المواقع (GPS) قد يكون أفضل طريقة لتحسين حس الاتجاه لدينا.

ولكن، كما هو الحال مع كل شيء آخر، القصة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

يشير العلماء إلى أنه قد تكون هناك أيضاً اختلافات بيولوجية تمكن أشخاصاً معينين من أن يكونوا ملاحين أفضل من غيرهم.

مما يتكون حس الاتجاه لديك؟

ينتج حس الاتجاه لدينا في الواقع عن تفاعل مجموعة كبيرة من الحواس وخلايا الدماغ معاً.

وتتضمن أهم هذه العناصر ما يلي:

  • الحواس الخمس الأساسية: وخاصة الرؤية والسمع، والتي تزودنا بالمعلومات المباشرة حول بيئتنا المحيطة.
  • استقبال الحس العميق (Proprioception): وهو النظام الذي يخبرنا بموقعنا وحركة أجسامنا بالنسبة لبيئتنا.
  • الجهاز الدهليزي (Vestibular system): ويقع في الأذن الداخلية، وهو المسؤول عن مساعدتنا على التوازن وتوجيه أنفسنا في مساحة معينة.

كل هذه الأدوات تساعدنا في الذهاب إلى حيث نريد دون الاصطدام بكل عمود في الطريق، أو الشعور بالدوار في كل مرة نحاول فيها توجيه أنفسنا في عالم دائم الحركة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تلعب مستويات القلق العالية وانخفاض الثقة بالنفس دوراً مهماً في قدراتنا على تحديد الاتجاهات.

إذا كان شخص ما يخبرك باستمرار أنك “أسوأ ملاح في العالم“، فقد يتحول الأمر إلى نبوءة ذاتية التحقق، حيث قد تبدأ في تصديق هذه الكلمات وتفقد ثقتك بقدراتك.

ماذا يحدث داخل دماغ الملاح الخبير؟

هناك منطقة متخصصة في دماغنا تسمى القشرة الشمية الداخلية (Entorhinal cortex)، وهي المسؤولة بشكل رئيسي عن حس الاتجاه لدينا.

ربما تكون على دراية باسم التركيب الدماغي الأكثر شهرة المرتبط بالذاكرة، وهو الحُصين (Hippocampus). تقع القشرة الشمية الداخلية بجوار هذا التركيب مباشرة.

تحتوي هذه التراكيب الدماغية على ثلاثة أنواع رئيسية من الخلايا ذات وظائف محددة تتعلق بالإدراك المكاني، والتي لا يزال البحث حولها مستمراً، كما ورد في مقالات المراجعة العلمية في دورية Current Biology:

الخلايا المكانية (Place Cells)

توجد هذه الخلايا بشكل أساسي في الحُصين، وتعمل جنباً إلى جنب مع خلايا أخرى لمساعدتك في بناء خريطة إدراكية لبيئتك الحالية وموقعك الدقيق داخلها.

الخلايا الشبكية (Grid Cells)

توجد هذه الخلايا في القشرة الشمية الداخلية، وتساعد في بناء خريطة للمكان الذي كنت فيه مؤخراً، حيث تنسق مع “الخلايا المكانية” لمعرفة موقعك الحالي وكيفية العودة إلى النقطة التي بدأت منها.

خلايا توجيه الرأس (Head-direction Cells)

يُعتقد أن هذه الخلايا الفريدة في القشرة الشمية الداخلية تعمل وكأنها بوصلة داخلية.

فهي تنشط في كل مرة نواجه فيها اتجاهاً معيناً، مثل الاستدارة نحو الشرق لرؤية مبنى شاهق أو مَعلَم جغرافي بارز.

إذا كنا جميعاً نمتلك هذه المنطقة في أدمغتنا، فلماذا يكون بعض الأشخاص أفضل في الملاحة من غيرهم؟

يمكن تفسير ذلك من خلال الاختلافات الطبيعية في أدمغة البشر.

التطور البشري هو عملية دقيقة ومعقدة بشكل وثيق، وحتى أقل تباين في إشارات الدماغ يمكن أن يكون له آثار عميقة على التطور العصبي.

أظهرت دراسة أجراها العالم “أوكييف” (O’Keefe) وزملائه أن خلايا التوجيه في الفئران تكون موجودة في مرحلة مبكرة جداً من الحياة.

حتى أن بعض هذه الخلايا كانت قد وصلت بالفعل إلى مرحلة النضج لدى الفئران حديثة الولادة.

هذا يشير إلى أن جزءاً على الأقل من حس الاتجاه لدينا قد يكون فطرياً!

الخبر السار هو أن هذه القدرة يمكن أن تتحسن مع مرور الوقت، حيث تساعد المحفزات البيئية وأسلوب الحياة على تشكيل أدمغتنا من خلال المرونة العصبية (Neuroplasticity).

أظهرت دراسة باستخدام فحوصات الدماغ أن الاختلاف في قوة إشارات الدماغ في القشرة الشمية الداخلية يمكن أن يؤثر على حس الاتجاه لدينا.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن فحوصات نشاط الدماغ لا تظهر الصورة الكاملة لما يحدث داخل رؤوسنا,لا يزال هناك الكثير لنتعلمه، لكننا نقترب شيئاً فشيئاً من الفهم الكامل.

كلمة أخيرة

على الرغم من أنه يبدو أن أصدقاءنا “الملاحين الخبراء” قد يمتلكون بعض المزايا البيولوجية، إلا أن هناك حاجة إلى إجراء أبحاث أكثر كثافة قبل التوصل إلى استنتاج نهائي حاسم.

في الوقت الحالي، قد يكون التجول قليلاً واستكشاف الأماكن بدون الاعتماد المفرط على أجهزة الـ GPS هو الحل الأمثل للمساعدة في تحسين حس الاتجاه لديك؛ لكن تأكد من البقاء آمناً، خاصة إذا كنت تقود سيارتك!

أياً كانت مهاراتك في الملاحة وتحديد المواقع، لا يزال لدى العالم الكثير ليتعلمه عن أدمغتنا وطريقة عملها.

حتى ذلك الحين، نتمنى لك حظاً سعيداً ورحلات موفقة دون ضياع!

 

 

References

Burles, F., & Iaria, G. (2020, December 1). Behavioural and cognitive mechanisms of Developmental Topographical Disorientation. Scientific Reports. Springer Science and Business Media LLC.

Vestibular System and Proprioception: The Two Unknown …. Ochsner Medical Center

Hund, A. M., & Minarik, J. L. (2006, September). Getting From Here to There: Spatial Anxiety, Wayfinding Strategies, Direction Type, and Wayfinding Efficiency. Spatial Cognition & Computation. Informa UK Limited.

McKinlay, R. (2016, March 30). Technology: Use or lose our navigation skills. Nature. Springer Science and Business Media LLC.

Makin, S. (2015, April 9). The Brain’s Homing Signal. Scientific American Mind. Springer Science and Business Media LLC.

Chadwick, M. J., Jolly, A. E. J., Amos, D. P., Hassabis, D., & Spiers, H. J. (2015, January). A Goal Direction Signal in the Human Entorhinal/Subicular Region. Current Biology. Elsevier BV.

Wills, T. J., Cacucci, F., Burgess, N., & O’Keefe, J. (2010, June 18). Development of the Hippocampal Cognitive Map in Preweanling Rats. Science. American Association for the Advancement of Science (AAAS).

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE