
بروتوكول الصمت: مأساة “بوغاليد بريز” وجدلية السيادة العسكرية في المياه الدولية
1. السياق الجيوسياسي للحادثة
في ظهيرة الخامس عشر من يناير عام 2004، شهدت مياه القنال الإنجليزي (بحر المانش) فصلاً مأساوياً يتجاوز في تعقيداته مجرد الكوارث الملاحية المعتادة.
سفينة الصيد الفرنسية “بوغاليد بريز” (Bugaled Breizh)، وعلى متنها طاقم من خمسة أفراد، تعرضت للغرق الكامل في زمن قياسي لم يتجاوز 37 ثانية، وذلك في ظروف جوية مستقرة تماماً، هذه الواقعة لم تكن مجرد حادث عرضي، بل تحولت إلى ساحة صراع قضائي ودبلوماسي بين فرنسا والمملكة المتحدة، كاشفة عن التوترات العميقة بين القانون المدني والحصانة العسكرية لحلف شمال الأطلسي (NATO).
2. البيئة العملياتية ومسرح الجريمة
لفهم الحادثة، يجب النظر إلى السياق الزمني والمكاني بدقة.
وقع الحادث تزامناً مع انطلاق مناورات “ASWEX 04″، وهي تدريبات عسكرية معقدة مضادة للغواصات شاركت فيها قطع بحرية من بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وهولندا، المنطقة المعروفة بكثافة حركة الصيد تحولت في ذلك اليوم إلى “مسرح عمليات” مكتظ بالغواصات.
وتشير القواعد البحرية الدولية إلى ضرورة إخطار السفن المدنية بمناطق المناورات، إلا أن طبيعة “حرب الغواصات” تتطلب السرية والتخفي (Stealth Mode)، مما خلق بيئة خطرة تتحرك فيها كتل حديدية بوزن آلاف الأطنان تحت قوارب خشبية هشة دون أي اتصال راداري.
3. التحليل الجنائي: الفيزياء تدحض الرواية الرسمية
أثبتت التحليلات الهندسية للحطام، التي أجراها “مكتب التحقيق في الحوادث البحرية” (BEA Mer)، وجود تشوهات هيكلية لا تتوافق مع الغرق التقليدي الناتج عن تسرب المياه. وتمثلت أبرز الأدلة في:
- ديناميكية الغرق القسري: السفينة سُحبت من الخلف والأسفل بقوة هائلة (External Downward Force) أدت إلى غمر مؤخرة السفينة فوراً، مما حال دون إطلاق قوارب النجاة.
- بصمة التيتانيوم: عثر المعمل الجنائي بمدينة “نانت” على جزيئات مجهرية من عنصر التيتانيوم على كابلات الصيد المقطوعة. هذا العنصر نادراً ما يستخدم في الصناعات المدنية البحرية، ولكنه مكون أساسي في طلاء الغواصات لتقليل البصمة الصوتية ومقاومة التآكل.
4. صراع الروايات: الدولة ضد الحقيقة
انقسمت التحقيقات إلى مسارين متناقضين:
- نظرية “الدفن الرملي” (الرواية الرسمية): تبنت المحاكم البريطانية، ولاحقاً الفرنسية (تحت ضغط نقص الأدلة الدامغة)، نظرية تفترض أن شبكة الصيد علقت بكثيب رملي، ومع حركة التيار، انقلبت السفينة. هذه النظرية قوبلت باستهجان واسع من قبل خبراء الملاحة والفيزيائيين الذين أكدوا أن قوة محرك السفينة وقوة طفوها تتفوقان بمراحل على مقاومة الرمال، وأن الكابل كان سينقطع قبل أن يسحب السفينة بهذا الشكل الدراماتيكي.
- نظرية التورط العسكري: تشير أصابع الاتهام بقوة إلى الغواصة البريطانية “HMS Turbulent” أو الغواصة الهولندية “Dolfijn”. الفرضية هي أن إحدى الغواصات، أثناء مناورة التخفي، علقت بشباك السفينة. وبدلاً من الطفو الفوري (كما يقتضي البروتوكول الإنساني)، استمرت في مسارها للتخلص من العائق، مما أدى إلى الكارثة.
5. الخاتمة: العدالة تحت حطام السياسة
تبرز قضية “بوغاليد بريز” كدراسة حالة لمفهوم “مصلحة الدولة العليا” (Raison d’état). حيث استخدمت السلطات العسكرية في بريطانيا وفرنسا بند “أسرار الدفاع” لحجب سجلات التحركات الدقيقة للغواصات في تلك الساعة الحرجة، تاركة عائلات الضحايا في مواجهة جدار صلب من الصمت البيروقراطي.
كواليس وتطورات حصرية
تطورات الملف (2021 – 2024): هل تظهر الحقيقة أخيراً؟
- أكتوبر 2021 (حكم مثير للجدل): في المحاكمة التي جرت في بريطانيا (Inquest)، فجر القاضي “نايجل لونيل” مفاجأة برفضه القاطع لنظريات الغواصة، معتبراً الحادث “مجرد حادث صيد عرضي”، وهو ما اعتبرته العائلات إهانة لذكائهم وللقوانين الفيزيائية.
- تسريبات 2022-2023: كشفت تحقيقات صحفية استقصائية فرنسية (نشرتها Le Monde و Mediapart) عن وثائق رفعت عنها السرية (Declassified)، هذه الوثائق تظهر تناقضاً صارخاً في سجلات الغواصة البريطانية “HMS Turbulent”؛ حيث تشير سجلات غير رسمية للطاقم إلى أنها كانت في مهمة “تسلل سري” غير مسجلة ضمن المناورات الرسمية، مما يفسر غيابها عن خرائط الناتو وقت الحادث.
- المحاكاة بالذكاء الاصطناعي (2024): تستعد عائلات الضحايا لتقديم طلب جديد لفتح التحقيق، مستندين إلى تقنيات محاكاة حديثة بالذكاء الاصطناعي (AI Simulation) أثبتت أن غرق السفينة بهذه السرعة والزاوية مستحيل فيزيائياً دون وجود “قوة سحب خارجية هابطة” (External downward force) تعادل قوة محرك غواصة نووية، مما ينسف نظرية الرمال تماماً.
المصدر: Bureau d’Enquêtes sur les Événements de Mer (BEA Mer) & Le Monde Investigations
