
ماذا يقول العلم عن غسيل الدماغ؟
يُعد “غسيل الدماغ” (Brainwashing) مصطلحاً ظهر في الخمسينيات من القرن الماضي لتفسير التغيرات الجذرية في أنظمة المعتقدات والأيديولوجيات التي ظهرت على الجنود الأمريكيين بعد إطلاق سراحهم من الاعتقال في الصين.
واليوم، يفضل علماء النفس استخدام مصطلح الإقناع القسري (Coercive persuasion) بدلاً من غسيل الدماغ.
في العقود الأخيرة، قام الباحثون بتفكيك وتحليل العملية التي تنطوي عليها تغيير أنظمة معتقدات الشخص بالكامل من خلال استخدام القوة والتأثير.
قد يكون اسم القس جيم جونز مألوفاً للبعض, وإذا لم يكن كذلك، فربما تكون أكثر دراية بعبارة “شرب الكول-إيد” (Drinking the Kool-Aid)، والتي وُلدت من رحم مجزرة جونز تاون سيئة السمعة في عام 1978.
لقد كشفت هذه المجزرة عن واحدة من أبشع الجوانب وأكثرها قسوة في تاريخ البشرية.
حيث كان جيم جونز قائداً دينياً يتمتع بكاريزما طاغية، وتمكن من إقناع 900 شخص بالانتحار الجماعي، وكان من بينهم العديد من الأطفال الصغار!
من أين بدأ مصطلح غسيل الدماغ؟
على وجه الخصوص، كان عميل وكالة المخابرات المركزية (CIA) “إدوارد هنتر” في حيرة من أمره بسبب الطريقة التي تصرف بها الجنود الأمريكيون العائدون من الأسر.
كان الأمر كما لو أن الجنود أصبحوا مثل أسطوانات مشروخة تكرر نفس الحوار مراراً وتكراراً.
لقد تحدثوا عن عدم تعرضهم لأي أذى جسدي، على الرغم من أنه تم اكتشافهم وهم مقيدون بالأغلال.
هذا التعذيب النفسي الذي يتم من خلاله تحويل الشخص ببطء ولكن بقوة للإيمان بنظام يتعارض تماماً مع نظام معتقداته السابق، هو ما أطلق عليه هنتر لأول مرة اسم غسيل الدماغ.
تفسير ويليام سارغانت
في كتابه “معركة من أجل العقل” (Battle for the Mind)، يوضح سارغانت أن غسيل الدماغ تعود جذوره إلى تجارب التكييف (الإشراط الكلاسيكي) التي أجراها العالم إيفان بافلوف.
في تجربته الشهيرة، قام بافلوف بتكييف الكلاب لربط صوت الجرس بتقديم الطعام.
وفي النهاية، كلما سمعت الكلاب الجرس، كانت تبدأ في إفراز اللعاب، حتى عندما لا يكون الطعام موجوداً.
ومع ذلك، كان سارغانت مفتوناً أكثر بما وصفه بافلوف بأنه حدث للكلاب في وقت لاحق.
صرح بافلوف أن غالبية الكلاب التي أُجريت عليها التجربة قد نسيت تكييفها بعد أن نجت بأعجوبة من الموت خلال فيضان حدث عام 1924.
وقد استكمل سارغانت نتائج بافلوف قائلاً إن “الإثارة العصبية الشديدة يمكن أن تؤدي إلى تثبيط قشرة الدماغ، مما يتسبب في ‘تمزق’ أو انهيار في التكييف السابق”.
ضع في اعتبارك أن العديد من العلماء المعاصرين لا يوافقون على هذا التصريح، لا سيما وأن هذه النظرية لم تخضع لاختبارات صارمة وشاملة من قبل الأقران، وهو ما يطلبه المجتمع العلمي عادةً.
علاوة على ذلك، كان سارغانت طبيباً نفسياً مثيراً للجدل، وعُرف عنه استخدامه لعلاجات جسدية غير ضرورية، مثل الصدمات الكهربائية، من أجل “علاج” مرضاه.
وقد أدت معظم أساليبه المتطرفة إلى تدهور حالات المرضى بدلاً من تحسنها.
عند سماع كل هذا، ليس من المستغرب أن يرغب العلماء في الوقت الحاضر في النأي بأنفسهم عن استخدام كلمة غسيل الدماغ.
تفسير إدغار شاين للإقناع القسري
على عكس المحققين الآخرين، يشير “إدغار شاين” إلى أن الإقناع القسري لا يقتصر فقط على الأشخاص المسجونين أو المنخرطين في طوائف دينية متطرفة.
كما أنه ليس بالشكل الذي تصوره وسائل الإعلام؛ فأنت لا تتوقف فجأة عن الإيمان بكل شيء تعرفه.
في الواقع، الإقناع القسري هو قوة نفسية بطيئة وتدريجية يمكن أن تجعلك تتبنى أيديولوجيات مختلفة.
يمكن أن تكون هذه القوة عبارة عن تكتيكات إقناع، مثل الضغط النفسي، والتي قد تدفعك لفعل ما لم تكن لتفعله في الظروف العادية.
وفقاً لشاين، هناك ثلاث مراحل لعملية غسيل الدماغ (بناءً على نموذج التغيير لكيرت ليوين):
المرحلة الأولى: إذابة الجليد (Unfreezing)
تتمثل هذه المرحلة في هز وزعزعة نظام معتقدات الشخص بأي طريقة ممكنة، لدرجة تجعله يبدأ في الشك في نفسه. هذا الشك من شأنه أن يمنحه الدافع للتغيير أو لتبني أيديولوجيات جديدة.
المرحلة الثانية: التغيير (Changing)
هذه هي المرحلة التي يتم فيها غرس مبادئ جديدة في عقول أولئك الذين يتم إكراههم.
لنأخذ مثالاً على كيفية قيامنا بذلك في حياتنا اليومية: ربما تكون قد آمنت لفترة طويلة بالفكرة القائلة بأننا نستخدم 10% فقط من أدمغتنا, ثم يقدم لك شخص ما دليلاً علمياً يثبت عكس ذلك، فتبدأ في تغيير معتقدك.
المرحلة الثالثة: إعادة التجميد (Refreezing)
في هذه المرحلة الأخيرة، يتم دمج المعتقدات الجديدة في الروتين اليومي للشخص، مما يؤدي أساساً إلى “تجميد” أو تثبيت تلك الأفكار والمعتقدات في مكانها بشكل دائم.
الأبحاث العلمية حول غسيل الدماغ
نظراً لعدم وجود أي شخص قادر على تقديم تفسير واضح ومثبت للسلوك الغريب الذي كان يظهره الجنود الأمريكيون، قامت المنظمات الأمريكية بتمويل أبحاث مكثفة حول تأثير الأدوية، والحرمان الحسي، والتنويم المغناطيسي على العقل البشري.
ومع ذلك، وتحت ستار “فعل الخير“، تبين أن العديد من هذه التجارب قد أُجريت بطرق غير أخلاقية إلى حد كبير.
مشروع MK ULTRA السري
اعتقدت وكالة المخابرات المركزية (CIA) أن الأعداء قد استخدموا تقنيات التحكم في العقل لغسل أدمغة جنودهم. ولذلك، قاموا بتمويل مشروع إم كي ألترا (Project MK ULTRA) لاختبار تأثير الأدوية (مثل عقار الهلوسة LSD) وغيرها من أساليب العلاج النفسي (مثل العلاج بالصدمات الكهربائية) على أفراد غافلين بهدف “غسل أدمغتهم“.
تم تدمير معظم سجلات هذه الدراسات عمداً بواسطة “ريتشارد هيلمز“، مدير وكالة المخابرات المركزية في ذلك الوقت، ولكن الحقيقة دائماً ما تجد طريقها للظهور
في عام 1974، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً عن التجارب غير القانونية التي أجرتها الوكالة في مجال التحكم في العقل.
وكشفت الوثائق لاحقاً أن وكالة المخابرات المركزية كانت قد فكرت حتى في استخدام الإشعاع للتحكم في العقل!
إن مثل هذه التجارب، والضجة الإعلامية التي أعقبتها، جعلت من الصعب جداً الاستمرار في استكشاف علم غسيل الدماغ بشكل قانوني وأخلاقي.
الخلاصة
بدءاً من القصص المروعة للجنود الأمريكيين في الحرب الكورية، وصولاً إلى التلقين العقائدي للطوائف والذي لا يزال يحدث حتى يومنا هذا، أصبح غسيل الدماغ هو التفسير الأمثل والبديهي لتحول الأشخاص وابتعادهم عن طرق تصرفهم الطبيعية.
ومع ذلك، وكما كشفت تقارير مشروع MK ULTRA، أظهرت التحقيقات العلمية في غسيل الدماغ مدى عدم موثوقية وعدم أخلاقية العديد من هذه الدراسات.
إن استكشاف مثل هذا المفهوم أمر بالغ الصعوبة، حيث لا يمكنك ببساطة “غسل دماغ” شخص ما من أجل “العلم”.
سيتعين علينا التفكير خارج الصندوق للتوصل إلى طرق فريدة لتحليل الإقناع القسري دون انتهاك حقوق الإنسان أخلاقياً. نأمل أن يولد المستقبل المزيد من الإجابات على أسئلتنا حول غسيل الدماغ، لضمان بقائنا متحكمين في أفكارنا، وأنظمة معتقداتنا، وسلوكياتنا.
عملية ذروة منتصف الليل جزء من مشروع للتحكم بالعقل
References
An apocalyptic cult, 900 dead: remembering the Jonestown …. The Guardian
Declassified: Mind Control at McGill | The McGill Tribune. The McGill Tribune
HUGE C.I.A. OPERATION REPORTED IN U.S. AGAINST …. The New York Times
Battle for the mind. ia801300.us.archive.org
(2007) Pavlov’s Dogs Study and Pavlovian Conditioning Explained. simplypsychology.org
Full text of “Coercive Persuasion” – archive.org
Coercive persuasion – APA Dictionary of Psychology. The American Psychological Association
