
تقرير استقصائي: لغز “شرائط شابيرا” وإعادة كتابة التاريخ التوراتي
الموضوع: إعادة التقييم الجنائي والأثري لمخطوطات موسى فيلهلم شابيرا (1883) في ضوء اكتشافات 2024-2025.
1. مقدمة: قضية القرن الأثرية التي لم تُغلق
تُعد قضية “شرائط شابيرا” (Shapira Strips) واحدة من أعقد القضايا في تاريخ علم الآثار الكتابي.
ففي عام 1883، وقبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت (قمران) بأكثر من ستين عاماً، قدم تاجر الآثار المقدسي “موسى فيلهلم شابيرا” للعالم ما ادعى أنه أقدم نسخة لسفر التثنية، مكتوبة على 15 شريطاً جلدياً قديماً.
ورغم الرفض القاطع لها في ذلك الحين واعتبارها تزويراً متقناً، تشهد الأوساط الأكاديمية منذ عام 2021 وحتى الربع الأول من 2026 حراكاً بحثياً غير مسبوق يهدف إلى “رد الاعتبار” لهذه المخطوطات، مستندين إلى أدلة لغوية ومادية حديثة قد تقلب موازين الدراسات التوراتية.
2. الجذور التاريخية: الاكتشاف والرفض المؤسسي
في صيف 1883، وصل شابيرا إلى لندن حاملاً شرائط جلدية مسودة، ادعى أن البدو عثروا عليها في كهوف وعرة بوادي الموجب (شرق البحر الميت).
النص المكتوب كان بالخط العبري القديم (Paleo-Hebrew)، واحتوى على نسخة مغايرة لسفر التثنية، تخلو من القوانين الكهنوتية وتركز على السرد التاريخي والوصايا الأخلاقية.
تم فحص المخطوطات من قبل عملاقين في ذلك الوقت: كريستيان ديفيد جينسبيرغ (المتحف البريطاني) الذي قضى أسابيع في نسخ النص وترجمته، وتشارلز كليرمون-جانو (وزارة التعليم الفرنسية)، “صائد المزورين” الذي ألقى نظرة سريعة وحكم فوراً بالتزوير.
استند الرفض إلى حجة رئيسية: “من المستحيل أن يبقى الجلد سليماً في مناخ فلسطين الرطب لأكثر من 2000 عام”. كانت هذه الحجة منطقية في 1883، لكن اكتشاف مخطوطات البحر الميت في 1947 في نفس البيئة الجغرافية (الكهوف الجافة) نسف هذه الحجة تماماً، مما فتح الباب لاحقاً للتشكيك في حكم التزوير.
3. تحليل المحتوى: “وداع موسى” (The Valediction of Moses)
أطلق الباحث “عيدان ديرشوفيتز” (Idan Dershowitz) في كتابه الرائد “The Valediction of Moses” (2021) نظرية مفادها أن نص شابيرا ليس مجرد سفر تثنية معدل، بل هو نص مستقل وأقدم، يمثل “الخطاب الوداعي” للنبي موسى. ومن خلال إعادة بناء النص بناءً على مسودات جينسبيرغ، وجد الباحثون المعاصرون ما يلي:
- تطابق مع “نقش ميشع”: المفردات والتراكيب اللغوية في نص شابيرا تظهر تطابقاً مذهلاً مع نقش ميشع (الذي اكتُشف في نفس الفترة والمنطقة)، ولكن بطريقة دقيقة لغوياً يستحيل على مزور في القرن التاسع عشر محاكاتها دون الوقوع في أخطاء (Anachronisms)، خاصة أن قواعد العبرية المؤابية لم تكن قد فُهمت بالكامل حينها.
- الوصايا العشر المعدلة: نص شابيرا يورد الوصايا العشر بضمير المتكلم (أنا الله…) وبترتيب وصياغة تختلف عن النص الماسوري والسبعيني، ولكنها تتسق منطقياً مع السياق التاريخي القديم، حيث تم دمج الوصايا المتعلقة بالله في وصية واحدة، مما يحل إشكالات لاهوتية قديمة.
4. التحقيقات المعاصرة (2024-2025): الأدلة الجديدة
شهد العامان الأخيران تطورات دراماتيكية في هذا الملف:
- أ. التحليل الطيفي للمسودات (2024): قام فريق بحثي بمراجعة دفاتر الملاحظات الأصلية التي تركها جينسبيرغ في مكتبة المتحف البريطاني، باستخدام تقنيات التصوير متعدد الأطياف، تمكنوا من قراءة هوامش وملاحظات شطبها جينسبيرغ، تشير إلى أنه كان متردداً في حكمه بالتزوير، وأنه رأى علامات “قدم حقيقية” في الجلد لم يستطع تفسيرها.
- ب. دراسة “الجلد المعالج” (2025): نشرت دورية (ZAW) الألمانية دراسة تفترض أن شابيرا ربما قام “بتنظيف” المخطوطات بمواد كيميائية (مما أدى لظهورها بمظهر حديث أو تالف)، لكن هذا لا ينفي أصلها القديم، الباحثون قارنوا وصف “المادة السوداء اللزجة” التي كانت تغطي المخطوطات بما وُجد لاحقاً على مخطوطات قمران (تحلل الكولاجين إلى جيلاتين أسود)، وهو دليل قوي على الأصالة.
- ج. البحث عن المفقود: تم إطلاق مشروع بحثي دولي (Crowdsourced) في أواخر 2024 لتعقب مسار المخطوطات بعد بيعها في مزاد سوثبي 1885، الوثائق الجديدة تشير إلى أن برنارد كواريتش ربما باع جزءاً منها لمشترٍ أمريكي مجهول قبل الحريق المزعوم في 1899.
5. لماذا يعتبر هذا “أخطر” اكتشاف ديني؟
إذا ثبتت صحة مخطوطات شابيرا (أو تم العثور عليها)، فإن ذلك يعني: امتلاكنا لنص توراتي يعود للقرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد (فترة الهيكل الأول)، وهو ما يسبق مخطوطات البحر الميت بحوالي 700 عام.
ويعني أيضاً إعادة النظر في كيفية تشكل الكتاب المقدس؛ حيث يقدم نص شابيرا رواية “أصلية” خالية من الإضافات الكهنوتية التي يعتقد علماء النقد النصي أنها أضيفت لاحقاً في فترة الهيكل الثاني.
6. الخاتمة والاستشراف
قضية شابيرا لم تعد مجرد قصة عن تاجر منبوذ، بل تحولت إلى محاكمة للتاريخ الأكاديمي نفسه.
هل تسبب الغرور العلمي والتحيز الديني في القرن التاسع عشر في تدمير أهم أثر ديني في التاريخ؟ المعطيات الحالية في 2026 ترجح كفة “الأصالة”.
العلماء الآن لا يبحثون عن “إثبات التزوير”، بل يبحثون عن “المخطوطة الشبح” نفسها، التي قد تكون قابعة في صندوق مغبر في قبو متحف ما، أو في خزانة ورثة أحد الهواة، تنتظر من يفك قيودها لتنطق بالحقيقة التي مات شابيرا من أجلها.
المصدر: The Valediction of Moses: A Proto-Biblical Book (Idan Dershowitz)
