the evolution of traffic lights
تاريخ وتطور إشارات المرور: متى ومن اخترعها؟

اكتشف القصة الكاملة لتاريخ وتطور إشارات المرور، بدءاً من مصابيح الغاز في لندن، وصولاً إلى الأنظمة الكهربائية والحاسوبية الحديثة التي تنظم حركة المرور اليوم.

تخيل مجموعة من الأشخاص يخوضون نقاشاً حاداً داخل غرفة مغلقة.

من المؤكد أن هذا الحوار قد يتحول إلى فوضى عارمة إذا لم يكن هناك منسق يدير الحديث، ويوجه هؤلاء الأشخاص، وينظم تبادل الأدوار بينهم.

الآن، قم بتطبيق هذا المنطق البسيط على مئات الآلاف من السيارات التي تجوب الشوارع وتتقاطع في طرقات المدينة.

لولا وجود نظام دقيق وصارم لإدارة هذه الحركة، لتحولت شوارعنا إلى ساحات من الفوضى والحوادث المأساوية.

من هنا جاءت الحاجة الماسة إلى إشارات المرور، تلك الأضواء البسيطة التي تقف كحراس صامتين لتنظيم حياتنا اليومية.

ولكن، هل تساءلت يوماً متى بدأت هذه الفكرة؟ ومن هو العبقري الذي يقف خلف اختراعها؟ دعونا نغوص معاً في رحلة عبر الزمن لنستكشف تاريخ وتطور إشارات المرور منذ بداياتها المتواضعة وحتى الأنظمة الحاسوبية المعقدة التي نراها اليوم.

إشارة المرور الأولى

على الرغم من أن الغرض الأساسي من إشارة المرور في عصرنا الحالي هو تنظيم تدفق السيارات والمركبات الآلية، إلا أن المفاجأة تكمن في أن إشارات المرور ظهرت إلى الوجود قبل اختراع السيارات بوقت طويل!

بدأت فكرة تطوير نظام للتحكم في حركة المرور في القرن التاسع عشر.

وفي 10 ديسمبر 1868، تم تركيب أول إشارة مرور تعمل بالغاز خارج مبنى البرلمان في العاصمة البريطانية لندن.

تم اقتراح هذا النموذج المبتكر من قبل مهندس السكك الحديدية البريطاني جيه. بي. نايت (J.P. Knight).

وكان الهدف الرئيسي من تطبيق هذا النظام هو:

  • التحكم في حركة العربات التي تجرها الخيول في تلك المنطقة المزدحمة.
  • السماح للمشاة بعبور الطرقات بأمان دون التعرض لخطر الدهس.

كانت هذه الإشارات المبكرة تعمل بالغاز، وتُضاء باللونين الأحمر والأخضر ليلاً.

ونظراً لعدم وجود أنظمة آلية حينها، كان يتم التحكم في هذه الإشارات بشكل يدوي بواسطة أذرع خشبية يديرها ضابط شرطة يقف بجانبها.

ومع ذلك، لم تدم هذه التكنولوجيا طويلاً؛ فقد شكلت خطراً كبيراً على السلامة، حيث كانت مصابيح الغاز عرضة للانفجار في بعض الأحيان، مما أسفر عن إصابة ضباط الشرطة الذين كانوا يتولون تشغيلها.

إشارات المرور الكهربائية الأولى

في أوائل القرن العشرين، كان العالم يتطور بوتيرة سريعة للغاية ومع تنامي حركة التصنيع، أصبحت المدن أكثر ازدحاماً وتكدساً بالسكان.

علاوة على ذلك، ومع اختراع السيارات وبدء انتشارها، زادت حركة المرور على الطرقات بشكل غير مسبوق، مما خلق حاجة ملحة لنظام مرور أفضل وأكثر أماناً وفعالية من أنظمة الغاز القديمة.

في عام 1912، شعر شرطي أمريكي يُدعى ليستر واير (Lester Wire) بقلق بالغ إزاء تزايد حوادث المرور، فابتكر فكرة أول إشارة مرور كهربائية.

وبناءً على التصميم الثوري الذي قدمه “واير“، تم تركيب أول إشارة مرور كهربائية في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو الأمريكية، وتحديداً في 5 أغسطس 1914، عند تقاطع الشارع 105 مع شارع إقليدس (Euclid Avenue).

في ذلك الوقت، أُشيد بهذا الاختراع باعتباره تقنية ستحدث ثورة في التعامل مع حركة المرور في المدن المزدحمة.

وقد تميزت هذه الإشارة بالتالي:

  • احتوت أول إشارة مرور كهربائية على مصابيح باللونين الأحمر والأخضر فقط.
  • لم تكن تحتوي على الضوء الأصفر (التحذيري) الذي نراه في إشارات المرور الحديثة.
  • عوضاً عن الضوء الأصفر، تم تزويد الإشارة بـ جرس إنذار (Buzzer) يصدر صوتاً لتنبيه السائقين بأن الإشارة على وشك التغير قريباً.

أول إشارة مرور رباعية الاتجاهات وثلاثية الألوان

مع مرور السنوات، استمرت الحاجة إلى تطوير أنظمة المرور لجعلها أكثر شمولية.

وفي عام 1920، قام شرطي يُدعى ويليام بوتس (William Potts) من مدينة ديترويت بولاية ميشيغان باختراع أول إشارة مرور رباعية الاتجاهات وثلاثية الألوان.

بالإضافة إلى اللونين الأحمر والأخضر المعتادين، قدم “بوتس” لوناً ثالثاً وهو اللون الكهرماني (أو الأصفر) ليكون بمثابة إشارة تحذيرية.

وبذلك، أصبحت مدينة ديترويت أول مدينة في العالم تطبق نظام إشارات المرور رباعية الاتجاهات ذات الألوان الثلاثة.

ومن الجدير بالذكر أن فكرة إضافة ضوء “تحذيري” ثالث تم تسجيلها كبراءة اختراع أيضاً من قبل المخترع ورجل الأعمال الأمريكي من أصل أفريقي غاريت أوغسطس مورغان (Garrett Augustus Morgan, Sr.) في عام 1923.

وبحلول عشرينيات القرن الماضي، بدأت العديد من المدن الكبرى حول العالم في تبني وتركيب إشارات المرور الآلية الحديثة لتنظيم شوارعها.

إشارات المرور التي تكتشف أبواق السيارات

حققت إشارات المرور الآلية نجاحاً كبيراً، حيث كانت تعمل من خلال تغيير أضوائها على فترات زمنية ثابتة ومحددة مسبقاً.

ولكن، سرعان ما ظهر عيب جديد في هذا النظام!

تسبب التوقيت الثابت في حدوث حالات انتظار غير مبررة للمركبات؛ فقد يتوقف السائق عند إشارة حمراء لفترة طويلة، على الرغم من عدم وجود أي سيارات تمر من الاتجاه المعاكس.

أدى هذا الإحباط إلى دفع المبتكرين للبحث عن حلول أذكى تسمح بتدفق مروري أكثر سلاسة.

وهنا برز اسم المخترع تشارلز أدلر جونيور (Charles Adler Jr.)، الذي جاء بفكرة عبقرية: اختراع إشارة مرور يمكنها اكتشاف أصوات أبواق السيارات (Honking) وتغيير الإشارات بناءً على ذلك.

حوسبة إشارات المرور

مع دخولنا في حقبة الستينيات (1960s)، وتزامناً مع اختراع وتطور أجهزة الكمبيوتر، بدأت إشارات المرور تشهد ثورة تقنية جديدة لتصبح مُحوسبة (Computerized).

وبمرور الوقت، ومع تطور قدرات أجهزة الكمبيوتر، تحسنت إشارات المرور بشكل ملحوظ.

لم تعد الإشارات مجرد أضواء تتغير بناءً على توقيت ثابت، بل أصبحت قادرة على مراقبة حركة المرور وتغيير الأضواء ديناميكياً وبكفاءة عالية.

بفضل البرمجيات المتقدمة، أصبح من الممكن التنبؤ بحركة المرور في مدينة بأكملها والتحكم فيها بناءً على تلك التنبؤات.

أما في وقتنا الحاضر، فقد أصبحت التكنولوجيا قادرة على مراقبة حركة المرور في جميع أنحاء العالم.

يتيح لنا ذلك تكوين صورة شاملة عن حالة الطرق في أوقات معينة، وتحديد المدن التي تعاني من أقصى درجات الازدحام، ومعرفة ساعات الذروة (Peak Hours) بدقة متناهية، مما يسمح للأنظمة المركزية بالتحكم في الإشارات وتعديلها لتخفيف الاختناقات المرورية.

نظرة نحو المستقبل

من المصابيح الغازية التي كان يشغلها أفراد الشرطة يدوياً، مروراً بالإشارات الكهربائية وأنظمة الاستشعار الصوتي، وصولاً إلى الخوارزميات الحاسوبية المعقدة؛ يثبت تطور إشارات المرور مدى قدرة الابتكار البشري على حل المشكلات اليومية وتسهيل حياتنا.

في المرة القادمة التي تتوقف فيها عند إشارة حمراء، تذكر أنك أمام أكثر من قرن ونصف من الاختراعات والتطوير المستمر الذي يهدف في المقام الأول إلى تنظيم حركتك وسلامتك.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE