scene 1 10
تجارب سجن ستيتفيل المرعبة: حينما تحول الطب إلى أداة للتعذيب وتجارة الأرواح

تجارب سجن ستيتفيل المرعبة: حينما تحول الطب إلى أداة للتعذيب وتجارة الأرواح

 

💡النقاط الجوهرية

  • استغلال السجناء كحقول تجارب بشرية خلال الحرب العالمية الثانية لتجربة أدوية الملاريا.
  • المشاركة المفاجئة للقاتل الشهير ناثان ليوبولد كفني وممرض في التجارب لغسل سمعته.
  • استخدام السجناء الأمريكيين من أصل أفريقي لاختبار سمية دواء البريماكين واستغلال نقص إنزيم G6PD لديهم.
  • استغلال الولايات المتحدة للتجارب للدفاع عن نفسها في محاكمات نورمبرج للأطباء النازيين.
  • التساؤلات الأخلاقية العميقة حول استغلال يأس السجناء لتقديم موافقة غير حرة تحت وهم تقليل العقوبة.

المقدمة الصادمة: عندما يمتزج الموت البطيء برائحة الجدران

في صبيحة الثامن من مارس عام 1944، لم تكن رائحة سجن ‘ستيتفيلStateville بولاية إلينوي الأمريكية تقتصر على رطوبة الجدران الخرسانية وعرق الأجساد المتعبة التي أرهقتها سنوات العزلة؛ بل امتزجت برائحة الموت البطيء المُعبأ في أقفاص صغيرة ومحكمة.

في ذلك اليوم المشهود، الذي دُوّن في السجلات الطبية وعُرف إعلامياً باسم ‘يوم اللدغة‘، تقدم أطباء بوجوه صارمة وسترات بيضاء ناصعة نحو رجال جُردوا من كل شيء في الحياة إلا يأسهم المدقع.

لم يكن الهدف من هذه الزيارة غير المعتادة تقديم الرعاية الصحية أو تخفيف معاناة السجناء، بل كان الهدف أشد قسوة: تحويل أذرع السجناء العارية إلى منصات هبوط لبعوض (الأنوفيلس) الحامل لسلالة (Chesson) الأشد فتكاً من طفيل الملاريا.

كانت الصفقة غير المكتوبة بين المؤسسة الطبية والسجناء تتأرجح على حافة الهاوية الأخلاقية: امنحنا دمك، وأعضاءك الداخلية، واحتمال موتك المحقق بين نوبات الحمى المبرحة، وسنمنحك وعداً واهياً بتخفيف العقوبة أو نظرة عطف من لجنة الإفراج المشروط.

فهل يمكن في ميزان العقل والعدل اعتبار الموافقة الصادرة من قاع اليأس ‘خياراً حراً’؟ أم أنها مجرد صورة حديثة ومقننة من استلاب الإرادة البشرية واستعباد الأجساد باسم العلم والضرورة القصوى؟

جذور اللغز: المعركة المزدوجة وأزمة الكينين

في ذروة الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تخوض معركة مزدوجة وشرسة في مسرح عمليات المحيط الهادئ: معركة عسكرية طاحنة ضد القوات اليابانية، وأخرى بيولوجية أكثر شراسة وخفاءً ضد الطبيعة والأمراض الاستوائية.

تشير الوثائق العسكرية لتلك الحقبة إلى حقيقة صادمة: أعداد الجنود الذين تساقطوا صرعى بسبب حمى الملاريا فاقت بأشواط ضحايا الرصاص والمدافع.

ومع إحكام القوات اليابانية قبضتها العسكرية على مزارع شجرة ‘الكينا‘ في إندونيسيا والفلبين، انقطع شريان إمداد ‘الكينين‘ (وهو العلاج الوحيد والأساسي المتاح آنذاك) ، مما هدد بانهيار كامل للجيش في تلك الجبهات.

أمام هذا المأزق الاستراتيجي، كُلف الطبيب ‘آلف ألفينج’ (Alf Alving)، أخصائي أمراض الكلى البارز بجامعة شيكاغو، بإيجاد بدائل كيميائية سريعة وفعالة.

الحيوانات المخبرية لم تكن كافية لتقديم إجابات دقيقة حول سُميّة الأدوية التجريبية وتأثيرها على الأعضاء الحيوية، فكانت الحاجة ماسة وحتمية إلى ‘أجساد بشرية‘.

وهنا، اتجهت الأنظار الباردة نحو أسوار سجن ستيتفيل، حيث تقبع مئات الأجساد المنسية خلف القضبان، أجساد يمكن التضحية بها دون إثارة غضب الرأي العام، تحت غطاء ‘الضرورة العسكرية’ والتضحية الوطنية النبيلة. هكذا تحول السجن إلى مختبر ضخم لتجارب فتاكة.

تفاصيل التحقيق: روتين العذاب وأروقة الألم

خلف القضبان الحديدية الباردة، اتخذت التجارب طابعاً روتينياً مرعباً يتكرر بانتظام.

كان السجين يجلس مكبلاً باليأس، يتلقى عشر لدغات متعمدة ومحسوبة من بعوض مصاب تم تربيته بعناية فائقة.

ما هي إلا أيام معدودة حتى تبدأ دورة العذاب الجسدي والنفسي: تقفز درجة حرارة السجين لتلامس 41 درجة مئوية، يهتز السرير المعدني العاري تحت وطأة قشعريرة عنيفة لا تتوقف، تترافق مع قيء مستمر يمزق الأمعاء، آلام مبرحة في المفاصل والعضلات، واصفرار حاد في الجلد (اليرقان) ينذر بتضرر الكبد وتدمير كريات الدم.

  • الإصابة المتعمدة: تعريض السجناء للسعات البعوض الحامل للملاريا الشرسة.
  • الأعراض السريرية القاسية: حمى شديدة، آلام مفاصل، يرقان، وانهيار جسدي شامل.
  • اختبارات السمية: استخدام جرعات قاتلة من الأدوية التجريبية لمراقبة استجابة الأعضاء.

في قلب هذا الجحيم الموثق، برز اسم غريب ومثير للجدل: ‘ناثان ليوبولد‘، وهو أحد أشهر القتلة في التاريخ الجنائي الأمريكي، الذي أُدين عام 1924 بقتل طفل بريء بدافع ‘التشويق وإثبات التفوق الفكري’.

وجد ليوبولد في هذا المشروع الطبي فرصة ذهبية للتكفير عن ذنبه في عيون المجتمع، أو بالأحرى لتقليص فترة سجنه الممتدة (مدى الحياة زائد 99 عاماً).

تحول هذا القاتل من سجين منبوذ إلى فني مختبر ماهر، وعامل أشعة، ومُشرف على تربية البعوض الناقل للمرض، بل وتولى تدوين الملاحظات السريرية لرفاقه وهم يتلوون من الألم، مسجلاً أنفاسهم الأخيرة في سجلات باردة.

الفصل المظلم: الاستغلال العنصري واختبارات البريماكين

التحقيقات الحديثة والموثقة، وتحديداً الدراسة التاريخية التي نشرتها دورية الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) في يونيو 2025 بقيادة الباحثين المرموقين ‘جيمس تابيري’ و’هانا ألين’، أزاحت الستار عن فصل أشد قتامة وعنصرية في تاريخ هذه التجارب.

ففي حقبة الخمسينيات، تم إشراك السجناء الأمريكيين من أصل أفريقي، ليس لاختبار فعالية الأدوية في علاج الملاريا، بل لاختبار سُميّتها القصوى. لاحظ الأطباء أن عقار ‘البريماكين‘ يُسبب تفاعلاً انحلالياً حاداً (Acute hemolytic reaction) لدى السود بسبب نقص جيني محدد لإنزيم (G6PD).

بدلاً من إيقاف التجربة لحماية أرواحهم، قام الباحثون بتعريض هؤلاء السجناء المستضعفين لجرعات زائدة ومتعمدة لمراقبة كيف تنفجر خلايا الدم الحمراء لديهم بدقة، مما تسبب في نقص حاد للأكسجين، وزرقة في الأطراف، وإرهاق قاتل ينهش الجسد.

كان هذا استغلالاً صارخاً ومقززاً للعرق والضعف الجسدي، حيث استخدمت الفروق الجينية كسلاح ضد أصحابها بدلاً من حمايتهم.

آراء الخبراء: المفارقة الأخلاقية ومحاكمات نورمبرج

تجلت المفارقة الأخلاقية الكبرى والعميقة لتجارب ستيتفيل في عام 1947، خلال مجريات ‘محاكمات نورمبرج‘ التاريخية لأطباء النازية.

عندما حوصر محامو الدفاع الألمان بفظائع التجارب البشعة في معسكر ‘داخاو‘ وغيرها من معسكرات الاعتقال، أشاروا بأصابع الاتهام نحو مدينة شيكاغو قائلين دفاعاً عن موكليهم: ‘الولايات المتحدة تفعل الأمر ذاته في سجونها وبموافقة حكومية!‘.

كانت تلك لحظة حرجة وضعت الأخلاقيات الطبية الأمريكية تحت مجهر الإدانة العالمية.

لدرء هذه الفضيحة الدولية المدوية، أرسلت الحكومة الأمريكية الطبيب والباحث ‘أندرو كونواي آيفي’ (Andrew Conway Ivy) للإدلاء بشهادته الحاسمة.

دافع آيفي باستماتة وصرامة عن تجارب ستيتفيل، واصفاً إياها بأنها ‘مثال يُحتذى به في الأخلاقيات الطبية’ بدعوى أن السجناء قدموا ‘موافقة مستنيرة’ طوعية ولم تُسجل أية وفيات.

لكن الواقع المظلم خلف الأسوار كان يدحض تلك الادعاءات؛ فقد توفي سجين واحد على الأقل بنوبة قلبية بعد نوبات حمى متكررة ومميتة (تم إرجاعها رسمياً لأسباب طبيعية لتجنب المساءلة القانونية)، كما عانى ناثان ليوبولد ذاته لاحقاً من نوبات قلبية يُرجح بقوة ارتباطها بتراكم مركبات الكينولين السامة في جسده.

 

التحليل النفسي: سيكولوجية المقهور ووهم الاختيار الحر

النظر في أعين المتطوعين في تلك التجارب، وتحليل الدوافع الكامنة وراء قراراتهم، يكشف عن مزيج معقد ومربك من الضغوط النفسية.

هل هو حقاً ‘الواجب الوطني’ الصرف كما روجت مجلة ‘لايف’ في تغطيتها الإعلامية اللامعة عام 1945؟ أم هو سيكولوجية المقهور الذي يبحث عن طوق نجاة ولو كان من نار؟ يذكر ليوبولد بوضوح في مذكراته أن التجربة جعلت الإدارة القمعية والسجناء ‘شركاء في مسعى واحد’.

بالنسبة لرجل فقد هويته وكرامته وأصبح مجرد رقم في سجلات السجن، فإن مجيء علماء وباحثين من الخارج ليتحدثوا إليه كـ’شريك‘ يمثل إغراءً نفسياً لا يُقاوم يعيد له جزءاً من إنسانيته المسلوبة.

لكن الدافع الأقوى والأكثر تدميراً كان الوهم؛ وهم الحرية والانعتاق.

لقد تم استغلال الغريزة الإنسانية الأساسية للبقاء، وتوجيهها ببراعة نحو تدمير الذات.

الموافقة التي تتم تحت وطأة السجن القاسية، وتحت إغراء تقليص العقوبة وسراب الإفراج، تسلب مفهوم ‘الاختيار’ معناه الحقيقي والنبيل، لتجعله أشبه بتخيير الغريق بين الغرق الحتمي في قاع المحيط، أو التمسك بلوح خشبي مغطى بالمسامير الصدئة. إنه استغلال ممنهج لحالة الضعف المطلق.

الخاتمة المفتوحة: ظلال التقدم العلمي وذاكرة التاريخ

استمرت تجارب الملاريا واختبارات الأدوية السامة في سجن ستيتفيل طيلة ثلاثين عاماً متواصلة، ولم تتوقف إلا في عام 1974 بعد تصاعد الانتقادات الحقوقية والضغوط من حركات الحقوق المدنية التي رفضت تحويل البشر إلى فئران تجارب.

اليوم، تقف البشرية بزهو على أرضية صلبة من الإنجازات الطبية وعلم ‘الوراثة الدوائية‘ (Pharmacogenomics)، وهي إنجازات أسهمت بلا شك في إنقاذ ملايين الأرواح حول العالم.

ولكن، عندما نتأمل في الجذور العميقة والمظلمة لهذه المعرفة، نجدها مروية بعرق ودموع ودماء سجناء تحولوا إلى حقول تجارب رغماً عنهم.

هل تكفي الأهداف النبيلة لغسل خطايا الوسائل الوحشية؟ أم أن التقدم العلمي الباهر سيظل دائماً يحمل في طياته ظلاً أسود لا يُمحى من الاستغلال والقسوة؟ تلك التساؤلات الفلسفية والأخلاقية تظل تنبض في ذاكرة التاريخ الإنساني، ترفض الانطفاء أو النسيان، تماماً كطنين تلك الحشرات الملعونة المحبوسة في أقفاصها، بانتظار الذراع التالية لتغرز فيها سمومها.

إن تاريخ الطب الحديث يذكرنا دائماً بأن المعرفة تحمل ثمناً، وأن بعض الأثمان كانت باهظة ومروعة إلى حد لا يُغتفر.


المصدر: Stateville Penitentiary Malaria Study

uchicago.edu

By Mohamed Abdelmoreed Ahmed

Accountant, Programmer, and Founder of Horus Valley. Dedicated to documenting historical mysteries and psychological insights through a lens of logic and meticulous research.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE