
تشين شي هوانج: مهندس الوحدة الصينية وجنون الخلود
مقدمة: بزوغ الفجر من رحم الفوضى
في عام 246 قبل الميلاد، صعد صبي يبلغ من العمر 13 عامًا يُدعى “ينغ تشنغ” إلى عرش دولة تشين، وهي إحدى الممالك السبع التي كانت تتناحر بلا هوادة فيما عُرف بـ “حقبة الممالك المتحاربة“.
لم يكن العالم حينها يعرف سوى الدمار والخيانة، حيث كانت التحالفات تُعقد وتُنقض بين عشية وضحاها.
لكن هذا الصبي لم يكن كغيره من الملوك؛ فقد كان يحمل في قلبه رؤية تتجاوز مجرد البقاء، رؤية لتوحيد “كل ما تحت السماء” (تيان شيا) تحت راية واحدة وإرادة واحدة.
بمرور الوقت، سيتحول هذا الصبي إلى “تشين شي هوانج“، الإمبراطور الأول الذي سيعيد تشكيل جغرافيا وتاريخ آسيا إلى الأبد، مؤسسًا إمبراطورية ستدوم أسسها لأكثر من ألفي عام.
عظمة الحضارة وتطورها: فلسفة القوة والتوحيد
لم يكن توحيد الصين مجرد عمل عسكري، بل كان انتصارًا أيديولوجيًا وهندسيًا.
اعتمد تشين شي هوانج، بمساعدة وزيره الداهية “لي سي“، على فلسفة “الشرعية” (Legalism) التي تنبذ الأخلاق الكونفوشيوسية التقليدية وتؤمن بأن الطبيعة البشرية شريرة وتحتاج إلى قوانين صارمة وعقوبات قاسية لضبطها. ألغى الإمبراطور النظام الإقطاعي الذي تسبب في قرون من التشرذم، وقسم الإمبراطورية إلى 36 ولاية (Commandery) يحكمها مسؤولون يعينهم المركز مباشرة، لا بالوراثة.
شملت عظمة هذه الحقبة توحيد المعايير بشكل غير مسبوق في التاريخ القديم:
- توحيد الكتابة: فرض نمطًا واحدًا من الرموز (الخط الصغير المختوم)، مما سمح بتبادل الأوامر والمعرفة عبر مساحات شاسعة ولغات لهجية مختلفة.
- توحيد العملة والموازين: مما خلق سوقًا اقتصادية موحدة عززت التجارة وسهلت جباية الضرائب.
- البنية التحتية العملاقة: أمر بربط الأسوار الدفاعية القديمة لتشكيل النسخة الأولى من “سور الصين العظيم” لصد قبائل شيونغنو البدوية، وشق شبكة طرق واسعة عُرفت بـ “الطرق السريعة” للإمبراطورية، بعرض موحد يسمح بمرور العربات العسكرية بسرعة فائقة.
أحداث تاريخية مفصلية: النار والدم
تخلل حكم تشين شي هوانج أحداث درامية شكلت الذاكرة الجماعية للصين.
في عام 221 قبل الميلاد، سقطت دولة “تشي“، آخر المعاقل المنافسة، ليعلن ينغ تشنغ نفسه “شي هوانج دي” (الإمبراطور الأول)، مستخدمًا لقبًا كان مخصصًا للآلهة والملوك الأسطوريين.
لكن الحدث الأكثر جدلًا وقع في عام 213 قبل الميلاد، وهو ما يعرف بـ “حرق الكتب ودفن العلماء“.
خوفًا من أن يستخدم العلماء التاريخ لانتقاد حاضره، أمر الإمبراطور بحرق جميع كتب التاريخ والشعر والفلسفة (باستثناء كتب الزراعة والطب والعرافة) التي لا تخص دولة تشين.
وعندما اعترض بعض العلماء، تشير المصادر التاريخية (وإن شكك بعض المؤرخين المحدثين في دقتها الكاملة) إلى أنه أمر بدفن 460 عالمًا كونفوشيوسيًا أحياء، في محاولة وحشية لإسكات المعارضة الفكرية وترسيخ السلطة المطلقة.
قصص من قلب التاريخ: البحث العبثي عن الخلود
رغم قوته الجبارة التي أخضعت الملايين، كان تشين شي هوانج مسكونًا بخوف مرضي من الموت.
تحول بلاطه إلى مسرح للسحرة والخيميائيين الذين وعدوه بـ “إكسير الحياة“.
تروي السجلات قصة “شو فو“، الساحر الذي أقنع الإمبراطور بأنه يستطيع إيجاد جبل الخلود في البحار الشرقية، فأبحر مع أسطول ضخم وآلاف من الفتيان والفتيات ولم يعد أبدًا (تقول الأساطير إنه استقر في اليابان).
في سعيه المحموم، بدأ الإمبراطور بتناول حبوب تحتوي على الزئبق، معتقدًا أنها ستطيل عمره.
ومن سخرية القدر أن هذه الحبوب كانت السبب المرجح في وفاته المبكرة عن عمر يناهز 49 عامًا.
عند وفاته في عام 210 قبل الميلاد أثناء جولة تفتيشية، تآمر رئيس الوزراء “لي سي” والخصي “تشاو غاو” لإخفاء خبر وفاته، حيث وضعوا كميات من السمك المتعفن حول عربته للتغطية على رائحة تحلل الجثة حتى عودتهم للعاصمة، في مشهد بائس يجسد هشاشة السلطة الفردية.
الإرث الذي تركته لنا: جيش الظلال والأنهار السامة
لم يترك تشين شي هوانج وراءه سلالة حاكمة (فقد سقطت أسرة تشين بعد وفاته بأربع سنوات فقط)، لكنه ترك الصين موحدة ككيان سياسي وثقافي.
إلا أن الاكتشاف الأثري الأعظم في القرن العشرين، وهو “جيش التيراكوتا” في شيان، كشف عن جانب آخر من جنونه وعظمته.
أكثر من 8000 جندي بحجم طبيعي، بخيولهم وعرباتهم، نُحتوا بتفاصيل دقيقة وفريدة لكل وجه، ليحرسوا ضريحه في العالم الآخر.
ولا يزال قبره نفسه لغزًا لم يُفتح بعد,تصف السجلات التاريخية للمؤرخ “سيما شيان” الضريح بأنه عالم مصغر يحتوي على قصور وأبراج، وتجري فيه أنهار من الزئبق السائل تحاكي النهر الأصفر ونهر اليانغتسي، تحت سقف مرصع بالجواهر لتمثيل النجوم.
وقد أكدت الدراسات العلمية الحديثة وجود مستويات عالية بشكل غير طبيعي من الزئبق في التربة المحيطة بالتل الجنائزي، مما يثبت صحة الأساطير القديمة ويجعل من ضريحه كبسولة زمنية خطرة ومذهلة تنتظر المستقبل.
