
هندسة الأرواح المحطمة: من “الغرفة المظلمة” إلى تشريعات 2025.. القصة الكاملة للمشروع الفرعي 68
في سجلات الطب النفسي والتجارب الاجتماعية، تبرز قصة تبدو وكأنها خيال ديستوبي، لكنها واقع موثق بدقة.
إنها قصة “المشروع الفرعي 68” (Subproject 68)، التجربة التي حولت مستشفى مرموقاً في مونتريال إلى مختبر سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بهدف إعادة تشكيل العقل البشري.
هذا التحقيق يغوص في جذور التجربة، تفاصيلها المروعة، والزخم القانوني والأخلاقي الهائل الذي أحدثته مؤخراً في عامي 2024 و2025.
1. الجذور: البحث عن “الصفحة البيضاء”
في خضم الحرب الباردة، سيطر الذعر على الاستخبارات الأمريكية من تقنيات “غسيل الدماغ” السوفيتية.
في هذا السياق، برز الدكتور “إيوان كاميرون” (Ewen Cameron)، مؤسس معهد “آلان التذكاري” (Allan Memorial Institute) ورئيس الجمعية العالمية للطب النفسي.
كان كاميرون يتبنى نظرية راديكالية تسمى “النمطية” (Patterning)، تفترض أن العقل البشري يمكن “إعادة برمجته” إذا تم محو أنماط السلوك القديمة تماماً.
وجد الـ CIA في كاميرون ضالتهم، فقاموا بتمويل أبحاثه عبر واجهة تسمى “جمعية تحقيقات البيئة البشرية” (Society for the Investigation of Human Ecology) بين عامي 1957 و1964.
2. تفاصيل الجحيم: منهجية التدمير وإعادة البناء
لم تكن تجارب كاميرون علاجاً، بل كانت تفكيكاً ممنهجاً للكينونة البشرية، اعتمدت على ثلاث مراحل وحشية:
- مرحلة النوم القسري: إدخال المرضى (الذين دخلوا طوعاً لعلاج القلق أو الاكتئاب) في غيبوبة كيميائية باستخدام “كوكتيل” من الباربيتورات ومضادات الذهان (Thorazine)، تستمر لأسابيع أو أشهر.
- إلغاء النمط (Depatterning): أثناء النوم، يتم تعريض الدماغ لصدمات كهربائية (ECT) بقوة 150 فولت (أعلى بـ 30 ضعفاً من المعدل الطبيعي)، وتُكرر حتى ثلاث مرات يومياً،الهدف المعلن كان إحداث “فوضى زمنية ومكانية” ومحو الذاكرة تماماً.
- القيادة النفسية (Psychic Driving): المرحلة الأكثر رعباً،يتم وضع مكبرات صوت تحت وسائد المرضى أو خوذات على رؤوسهم، تبث رسائل مسجلة مكررة مئات الآلاف من المرات (تصل لـ 16 ساعة يومياً)، تبدأ برسائل “سلبية” لتأكيد انعدام القيمة، تليها رسائل “إيجابية” لزرع هوية جديدة.
3. النتائج الكارثية: بشر بلا ذاكرة
النتائج كانت مدمرة، خرج المرضى من المعهد وهم في حالة “طفولة مكتسبة“.
فقدوا القدرة على التعرف على أسرهم، نسوا مهاراتهم الحياتية الأساسية، وعانوا من أضرار عصبية دائمة، إحدى الحالات الشهيرة، “جولي تاني”، روت كيف عاد والدها طفلاً لا يعرف أبناءه ولا عمله.
4. تطورات 2024-2025: العدالة المتأخرة وصحوة “الحقوق العصبية”
ظل هذا الملف شائكاً لعقود، لكن العامين الماضيين شهدا تحولات درامية:
- الحكم التاريخي (يوليو 2025): في سابقة قضائية، صادقت المحكمة العليا في كيبيك (Quebec Superior Court) برئاسة القاضية “دومينيك بولين” على دعوى جماعية (Class Action) ضد جامعة ماكجيل والحكومة الكندية ومستشفى رويال فيكتوريا، الحكم جاء بعد نضال طويل من الناجيات (مثل لانا بونتينج، 84 عاماً) اللواتي رفضن التسويات المالية السرية السابقة، مطالبات باعتراف رسمي بالمسؤولية الأخلاقية عن “التعذيب الطبي”.
- قانون العقل (MIND Act 2025): في الولايات المتحدة، وبالتزامن مع تكشف المزيد من وثائق MKUltra، قدم أعضاء في مجلس الشيوخ (بقيادة السيناتور شومر وماركي) تشريعاً يُعرف بـ “MIND Act”، هذا القانون يهدف لحماية “البيانات العصبية” (Neural Data) من الاستغلال التجاري والحكومي، مستنداً بشكل صريح في مذكراته التفسيرية إلى “الدروس المستفادة من التجارب التاريخية المظلمة مثل تجارب مونتريال”.
- الحراك العالمي: شهد عام 2025 تزايداً في الاعتراف بمفهوم “الحقوق العصبية” (Neuro-rights)، حيث بدأت دول مثل تشيلي وبعض الولايات الأمريكية (كولورادو وكاليفورنيا) في سن قوانين تمنع التلاعب بالعقل البشري، معتبرين أن ما فعله كاميرون بالمخدرات والأشرطة، يمكن فعله اليوم بواجهات الدماغ الحاسوبية (BCI).
5. الخلاصة: اللغز المستمر
رغم مرور عقود، لا يزال السؤال الأخلاقي قائماً: أين ينتهي العلاج ويبدأ التحكم؟ تجربة “غرفة النوم” لم تكن مجرد حادثة معزولة، بل كانت تجسيداً لرغبة السلطة المطلقة في إعادة صياغة الإنسان.
ومع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على “قراءة” و”كتابة” الإشارات العصبية في 2026، يبدو أن شبح الدكتور كاميرون لا يزال يراقبنا من خلف زجاج التاريخ، محذراً من أن العقل البشري لا يزال ساحة المعركة القادمة.
عملية ذروة منتصف الليل جزء من مشروع للتحكم بالعقل
المصدر: Superior Court of Quebec Ruling, Ponting v. Attorney General of Canada et al., July 31, 2025
