ليلة الجحيم في ليفورنو: وثائق سرية تكشف كيف أُعدم 140 شخصاً للتغطية على سفن عسكرية غامضة!

optimized image 1771027855409
ليلة الجحيم في ليفورنو: وثائق سرية تكشف كيف أُعدم 140 شخصاً للتغطية على سفن عسكرية غامضة!

مقدمة: ما وراء السكون المخادع

في ليلة العاشر من أبريل 1991، شهد ميناء ليفورنو الإيطالي ما يُصنف رسمياً كأسوأ كارثة في تاريخ البحرية التجارية الإيطالية منذ الحرب العالمية الثانية.

اصطدام العبارة “موبي برينس” (Moby Prince) بناقلة النفط “أجيب أبروتسو” (Agip Abruzzo) أدى إلى مقتل 140 شخصاً حرقاً واختناقاً.

لعقود طويلة، استقرت الرواية الرسمية والتحقيقات القضائية الأولية عند فرضية مريحة للسلطات: “الخطأ البشري الناجم عن الضباب الكثيف”.

ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، وتحديداً مخرجات اللجنة البرلمانية الإيطالية (Commissione Parlamentare d’Inchiesta) التي أنهت أعمالها مؤخراً، بالإضافة إلى الوثائق الرقمية والتحليلات الجنائية المستحدثة، قد حولت هذه القضية من “حادثة مأساوية” إلى “لغز جيوسياسي” و”مذبحة قضائية” مكتملة الأركان.

جذور القصة: مسرح الجريمة الجغرافي والسياسي

لفهم ما حدث بدقة، لا بد من النظر إلى السياق الزماني والمكاني المعقد.

كان العام 1991 عام اضطراب عالمي عقب انتهاء حرب الخليج الأولى، ميناء ليفورنو لم يكن مجرد ميناء تجاري اعتيادي؛ بل كان يقع بالقرب من قاعدة “كامب داربي” (Camp Darby) الأمريكية، وهي مستودع لوجستي ضخم للذخيرة والعتاد العسكري.

في تلك الليلة المشؤومة، كانت حركة السفن العسكرية الأمريكية نشطة ومكثفة بشكل غير اعتيادي، عائدة من الخليج أو في طور إعادة التموضع. الوثائق التي تم رفع السرية عنها تشير بوضوح إلى أن الميناء كان يعج بسفن عسكرية وسفن “مؤجرة” تعمل لصالح جهات عسكرية، ومع ذلك، تم حذف سجلات الرادار الخاصة بهذه التحركات أو التلاعب بها في التحقيقات الأولية لطمس هذا التواجد.

لحظة الانفجار: تشريح الارتطام

في تمام الساعة 22:25، اصطدمت مقدمة “موبي برينس” بخزان النفط رقم 7 للناقلة “أجيب أبروتسو”.

اندلع النفط الخام واشتعلت النيران فوراً،الناجي الوحيد، “أليسيو بيرتراند”، تم إنقاذه بأعجوبة، لكن الـ 140 الآخرين تُركوا لمصيرهم المجهول.

الرواية الرسمية سارعت لادعاء الموت الفوري للركاب بسبب الأبخرة السامة والحرارة، مما برر تأخر عمليات الإنقاذ واقتصارها على تبريد هيكل السفينة من الخارج بدلاً من اقتحامها للإجلاء.

مسار التحقيقات: التستر الممنهج (The Systemic Cover-up)

منذ اللحظات الأولى، بدأت عملية منسقة لطمس الحقائق:

  1. أسطورة الضباب: ادعى قبطان الناقلة وجود ضباب كثيف حجب الرؤية. لكن التسجيلات الحديثة وشهادات قادة سفن أخرى أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الرؤية كانت جيدة، وأن الضباب المزعوم كان “محلياً” فقط نتيجة الدخان الناتج عن الانفجار نفسه، وليس سبباً له.
  2. تجاهل الاستغاثة: كشفت التحقيقات الجديدة أن نداءات الاستغاثة “Mayday” انطلقت من العبارة مراراً وتكراراً، لكن تم تجاهلها من قبل السلطات المينائية أو الادعاء بعدم سماعها بوضوح.
  3. اختفاء السجلات: سجلات الرادار من المحطات الساحلية وسجلات السفن العسكرية القريبة اختفت بشكل غامض أو سُلمت وبها فجوات زمنية حرجة (Gaps) تغطي لحظة الاصطدام وما بعدها.

التحليل السوسيولوجي والقانوني

قضية “موبي برينس” تمثل نموذجاً صارخاً لما يسميه علماء الاجتماع “جرائم الدولة” (State Crimes) أو جرائم التواطؤ المؤسسي.

لم تكن الدولة الإيطالية بالضرورة هي الفاعل المباشر، لكنها لعبت دور “الحامي” لمصالح جيوسياسية عليا (العلاقة مع الناتو والولايات المتحدة) على حساب أرواح مواطنيها.

قانونياً، ما يحدث الآن هو سابقة خطيرة؛ حيث يتم إعادة كتابة التاريخ القضائي لحدث مر عليه ثلاثة عقود، مما يثبت أن الجرائم ضد الإنسانية أو الإهمال الجسيم الذي يؤدي لمذابح جماعية لا تسقط بالتقادم، خاصة في ظل تطور التكنولوجيا الجنائية (Forensic Technology) التي تستنطق الأدلة الصامتة.

الخاتمة: الغموض الذي ما زال قائماً

على الرغم من دحض نظرية الضباب وإثبات بقاء الضحايا على قيد الحياة لفترة طويلة كانت تسمح بإنقاذهم، يظل السؤال الأكبر بلا إجابة قاطعة: من هي السفينة الثالثة؟ وما هي طبيعة الشحنة التي كان يجب حمايتها بأي ثمن، حتى لو كان الثمن ترك 140 إنساناً يحترقون ببطء؟ الوثائق المسربة حديثاً أزاحت الستار عن “كيف” ماتوا، لكنها لا تزال تقترب بحذر شديد من “لماذا” حُكم عليهم بالموت.

التحقيقات ما زالت مفتوحة بضغط من جمعيات أهالي الضحايا، والقضاء الإيطالي الآن أمام اختبار تاريخي لمحاسبة جهات قد تكون “فوق القانون”.

 

كواليس وتطورات حصرية

  • تقرير اللجنة البرلمانية (أندريا رومانو): التقرير النهائي للجنة أكد رسمياً لأول مرة أن “الضباب لم يكن سبب الحادث” وأن هناك “تدخل من طرف ثالث” في مسار العبارة.
  • تحليل البقاء على قيد الحياة: أثبتت فحوصات الطب الشرعي المعاد تقييمها في 2023 أن الضحايا لم يموتوا فوراً كما زعمت السلطات سابقاً، بل بقوا أحياء لساعات طويلة يعانون من التسمم بأول أكسيد الكربون، مما يثبت تهمة “القتل بالإهمال” لعدم التدخل للإنقاذ.
  • السفينة الشبح Theresa: تمكنت تقنيات معالجة الصور الرادارية الحديثة من تحديد موقع سفينة ثالثة كانت تقوم بمناورات حجب وتعتيم بجوار ناقلة النفط، ويرجح أنها كانت طرفاً في عملية نقل وقود غير مشروعة.
  • الأدلة الصوتية: تنقية تسجيلات القناة 16 (VHF) كشفت أن قبطان الناقلة كان يتحدث بوضوح عن رؤية جيدة قبل الحادث بقليل، مما ينسف حجة الضباب تماماً.


المصدر: Final Report of the Parliamentary Commission of Inquiry into the causes of the Moby Prince disaster (Relazione finale – Commissione parlamentare di inchiesta)

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE