قصة داني كاسولارو – الصحفي الذي قتل لكشفه “الدولة العميقة” وبرمجيات التجسس

optimized image 1770986250923
قصة داني كاسولارو – الصحفي الذي قتل لكشفه “الدولة العميقة” وبرمجيات التجسس

ملف “الأخطبوط”: الصحفي الذي ذُبح لكشفه “الدولة العميقة” وبرمجيات التجسس (قصة داني كاسولارو الكاملة)

تُعد قضية “إنسلو” (Inslaw Affair) وما تبعها من مقتل الصحفي الاستقصائي داني كاسولارو Danny Casolaro في عام 1991، واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وغموضاً في التاريخ الأمريكي المعاصر.

إنها ليست مجرد نظرية مؤامرة عابرة، بل هي دراسة حالة موثقة قانونياً تكشف عن اللحظة التاريخية التي تزاوجت فيها تكنولوجيا المعلومات مع العمليات الاستخباراتية السرية (Covert Ops)، مما أنتج ما يمكن تسميته بـ “خصخصة الجاسوسية”.

هذا التقرير يغوص في الجذور القانونية والسياسية للقضية، مستنداً إلى وثائق المحاكم الفيدرالية والتحقيقات الصحفية الاستقصائية.

الجذور: برنامج “بروميس” والصراع القانوني

في جوهر هذه القضية يكمن برنامج PROMIS (اختصار لـ Prosecutor’s Management Information System).

تم تطوير هذا البرنامج من قبل ويليام هاميلتون، ضابط سابق في وكالة الأمن القومي (NSA)، عبر شركته “إنسلو”.

تميز البرنامج بقدرة فائقة غير مسبوقة على دمج قواعد البيانات المتباينة، وتتبع المعاملات المعقدة، والتنبؤ بالأنماط السلوكية للأفراد. في عام 1982، تعاقدت وزارة العدل الأمريكية مع “إنسلو” بقيمة 10 ملايين دولار لاستخدام البرنامج. ومع ذلك، قامت الوزارة بخرق العقد عمداً، ودفعت الشركة للإفلاس.

في عام 1987، أصدر القاضي الفيدرالي جورج باسون حكماً تاريخياً أقر فيه بأن وزارة العدل مارست “الخداع والاحتيال والسرقة” للاستيلاء على البرنامج.

هذا الحكم القضائي هو “الدليل الصلب” الذي يخرج القضية من حيز الخيال إلى حيز الواقع الجنائي.

الفرضية الاستقصائية: “الأخطبوط” والبعد الجيوسياسي

شرع الصحفي داني كاسولارو في التحقيق فيما وراء سرقة البرنامج. قادته تحقيقاته إلى شبكة أطلق عليها اسم الأخطبوط” (The Octopus)، وهي تحالف غير رسمي يضم شخصيات من الاستخبارات المركزية (CIA)، وعملاء لوزارة العدل، وتجار سلاح. الفرضية المركزية التي توصل إليها كاسولارو، وتدعمها شهادات من عميل الاستخبارات السابق مايكل ريكونوسيتو، تفيد بأن المؤسسة الاستخباراتية قامت بتعديل برنامج “بروميس” لإدراج “باب خلفي” (Backdoor). تم بيع النسخ المعدلة لوكالات استخبارات وبنوك عالمية (من كندا إلى الشرق الأوسط) بهدف التجسس على هذه الكيانات.

كما استُخدمت عوائد هذه المبيعات، وتكنولوجيا البرنامج نفسه، لغسل أموال تجارة السلاح والمخدرات لتمويل عمليات غير مصرح بها من الكونغرس، مثل دعم “الكونترا” في نيكاراغوا.

التحليل الجنائي لمسرح الجريمة: الانتحار المستحيل

في 10 أغسطس 1991، عُثر على كاسولارو ميتاً في فندق شيراتون بمارتينسبورغ، ورغم أن التقرير الرسمي أقر بالانتحار، إلا أن التحليل الجنائي المستقل يطرح تناقضات صارخة.

أولاً، تم تحنيط الجثة (Embalming) بشكل غير قانوني وفوري قبل إخطار العائلة، مما دمر أي إمكانية لتحليل السموم في الدم، وهو إجراء يثير الشكوك حول نية طمس الأدلة.

ثانياً، أظهرت الصور وجود 12 جرحاً في المعصمين، بعضها عميق لدرجة قطع الأوتار.

طبياً، يصعب على شخص قطع أوتار معصمه الأول ثم استخدام تلك اليد المشلولة لإحداث جروح قاتلة وعميقة في المعصم الآخر، وأخيراً، اختفاء حقيبة الوثائق المعروفة بـ “الأكورديون”، التي احتوت على أدلة تدين مسؤولين كباراً، ولم تظهر حتى اليوم.

البعد السوسيولوجي: “الدولة العميقة” والسيادة

تُقدم قضية كاسولارو نموذجاً مبكراً لمفهوم “الدولة العميقة” (Deep State).

فبدلاً من الهياكل البيروقراطية الرسمية، نجد هنا شبكة “عابرة للمؤسسات” تعمل باستقلالية. أبرز الشخصيات المتورطة كان إيرل برايان، المقرب من إدارة ريغان، وروبرت بوث نيكولز، الذي وصفته ملفات الـ FBI بأنه مرتبط بالمافيا والمخابرات في آن واحد.

هذا التداخل بين “القانوني” و”الإجرامي” يوضح كيف تمت خصخصة العمليات القذرة لتجنب المساءلة الديمقراطية. إن قضية داني كاسولارو وبرمجيات بروميس ليست مجرد قصة عن صحفي قُتل، بل هي توثيق لبداية عصر “المراقبة الرأسمالية” (Surveillance Capitalism) حيث تتحول البيانات إلى سلاح، وتصبح الحدود بين الدولة والشركات والمافيا غير مرئية.

 

مستجدات 2024: وثائقي نتفليكس يعيد فتح الجراح

لسنين طويلة القضية اتنسيت، لحد ما في عام 2024، منصة “نتفليكس” عرضت وثائقي استقصائي بعنوان American Conspiracy: The Octopus Murders. الصحفي “كريستيان هانسن” عاد فتح التحقيق ووصل لحقائق تقلب الموازين:

  • شهادات جديدة: ظهرت أدلة جديدة بتربط بين “روبرت بوث نيكولز” (العميل الغامض) وبين منظمات الجريمة المنظمة، واتضح إنه كان بيستدرج داني عشان يعرف حجم المعلومات اللي وصلها، مش عشان يساعده.
  • إرث التجسس: الخبراء الأمنيون اليوم يربطون بشكل مباشر بين “بروميس” وبين برمجيات التجسس الحديثة مثل “بيجاسوس” (Pegasus). الفكرة التأسيسية واحدة: بيع برنامج “أمني” للدول هو في الحقيقة “حصان طروادة” لصانعه.
  • اعترافات متأخرة: “ريكونوسيتو” (الذي لا يزال حياً) لا يزال مصراً على أقواله، ورغم التشكيك في قواه العقلية سابقاً، فإن وثائق المحكمة الفيدرالية أثبتت صحة عمله في محمية “كابازون” على مشاريع سرية للجيش، مما يعطيه مصداقية مرعبة.
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE