
هل صحيح أن الأشخاص المنعزلين يسهل استقطابهم للتطرف؟ العلم يُجيب
كثيراً ما نصادف أخباراً عن عضو في جماعة هامشية أو منظمة إرهابية يرتكب فظائع تصدم الضمير العام؛ على سبيل المثال، التفجيرات الانتحارية التي تودي بحياة العديد من الأشخاص، أو عمليات احتجاز الرهائن (وهي أحداث نراها تتكرر كثيراً في الأفلام والتلفزيون).
تُعد هذه الأفعال متطرفة للغاية، إلى حد يجعل المرء يتساءل: ما الذي قد يدفع شخصاً ما إلى التخلي عن إنسانيته والتصرف بطريقة قاسية لا يمكن تبريرها أو التوفيق بينها وبين الفطرة السليمة؟ الجواب، في أغلب الأحيان، يكمن في ما يُعرف بـ التطرف.
من بين مجموعة من العوامل الأخرى، مثل العوامل الاجتماعية والاقتصادية، يمكن لـ العزلة والإقصاء أن تجعل الأفراد أكثر عرضة للتطرف والتشدد.
فعندما يبحث الفرد عن مجموعة ينتمي إليها، وبدون التأثير المعتدل والموازن للمجتمع المحيط، قد يجد نفسه منجذباً بشكل خطير نحو الجماعات المتطرفة وأفكارها الهدامة.
ما هو التطرف؟
التطرف هو ظاهرة نفسية واجتماعية معقدة، تُعرّف بأنها العملية التي يتبنى من خلالها الفرد أو المجموعة أفكاراً وتوجهات سياسية أو اجتماعية أو دينية متشددة.
هذه الأفكار ترفض بشكل قاطع الوضع الراهن وتتحدى المبادئ الأساسية للتعايش السلمي.
لا يحدث التطرف فجأة، بل هو مسار تدريجي يتشرب فيه الشخص معتقدات صارمة تقسم العالم إلى قسمين: “نحن” مقابل “هم“.
هذا التقسيم الحاد يمهد الطريق لتبرير العنف والسلوكيات العدائية ضد أي شخص أو كيان يخالفهم الرأي.
إن خطورة هذا المسار تكمن في قدرته على غسيل دماغ الفرد وتغيير نظرته للعالم بأسره، حيث يبدأ في تهميش قيم التسامح والتعايش، معتقداً أن أفعاله المتطرفة هي الحل الوحيد لفرض رؤيته، أو لرفع ما يراه ظلماً واقعاً عليه.
مَن هم الأكثر عرضة للتطرف؟
أي شخص قد يكون عرضة للوقوع في فخ التطرف، وذلك يعتمد على مجموعة متنوعة من العوامل والظروف المحيطة.
في بعض الأحيان، قد يتم دفع الأفراد نحو التطرف من قبل المؤسسات الاجتماعية والسياسية السائدة، تماماً كما حدث للعديد من الأشخاص في ألمانيا النازية، حيث تم إقناعهم بأن اليهود أدنى مرتبة منهم وأنهم يشكلون تهديداً مباشراً لأسلوب حياتهم.
تم تحقيق ذلك من خلال أدوات إعلامية موجهة، مثل البيانات العلمية المزيفة والتحريفات الصريحة والممنهجة لمجتمع بأكمله.
أما في الآونة الأخيرة، فقد أصبح الإنترنت الأداة الأقوى لاستقطاب الغرباء ودفعهم نحو التطرف.
ووفقاً للعديد من الدراسات، فإن الأشخاص الأكثر عرضة لهذا الخطر هم الأشخاص المنعزلين.
تكشف الملفات الاجتماعية والنفسية لهؤلاء الأفراد أن افتقارهم للروابط الاجتماعية يجعلهم فريسة سهلة ومستهدفة لعمليات الاستقطاب.
لقد لُوحظ أنه عندما يعجز الأفراد، وخاصة الشباب، عن التأقلم أو الانتماء إلى مجموعة معينة بين الأصدقاء أو العائلة، فإنهم يصبحون أكثر ميلاً للبحث عن الرفقة والتواصل بين الغرباء الذين يلتقون بهم عبر الإنترنت.
في كثير من الأحيان، تؤدي هذه الحاجة الماسة للراحة النفسية والقبول إلى الوثوق بـ “أصدقاء” الإنترنت والإيمان المطلق بالأفكار التي يدعمونها.
هذه الظاهرة لا تقتصر على العالم الافتراضي فحسب، ولكن الاتجاهات الحديثة تؤكد أن الإنترنت هو الساحة الأكثر شيوعاً حيث تحدث عمليات التجنيد.
يجد الأشخاص المنعزلون أنهم من خلال تبني وجهات النظر المتطرفة التي يروج لها “أصدقاؤهم” الجدد، يصبحون قادرين على الاندماج بشكل أفضل في مجموعة اجتماعية.
وبالتالي، فإن الشخص المتطرف، الذي كان يعاني مسبقاً من العزلة، يشعر أخيراً بوجود رابطة وانتماء ناتجين عن كونه جزءاً من وحدة اجتماعية تقبله وتدعمه.
غياب الدعم الاجتماعي يغذي التطرف
سبب آخر يجعل الأفراد المنعزلين أكثر قابلية للتأثر والتطرف هو الافتقار إلى الدعم الاجتماعي.
فالشخص المندمج جيداً في عائلته أو دائرة أصدقائه من المرجح أن يتلقى نصائح حسنة النية وتوجيهات صادقة إذا ما قاده تأثير سلبي معين إلى سلك طريق متطرف.
وبما أن التطرف يسير جنباً إلى جنب مع السلوكيات المعادية للمجتمع، فإن إظهار علامات تحذيرية مبكرة يمكن أن يثير استجابة قلقة وتدخلاً إيجابياً من الأصدقاء والأقارب.
وتشمل هذه العلامات التحذيرية:
- العدوانية المفاجئة أو غير المبررة تجاه الآخرين.
- فقدان الاهتمام بالأنشطة والهوايات المعتادة التي كانت ممتعة سابقاً.
- العزلة المتعمدة عن العائلة وتفضيل قضاء وقت طويل وحيداً أو خلف شاشات الإنترنت.
إن التفاعل والمساعدة في الوقت المناسب من قبل شبكة الدعم يمكن أن يمنع الأفراد بشكل فعال من فقدان أنفسهم في مستنقع التطرف.
تأثير الانفتاح على التنوع والاختلاف
بشكل فطري، البشر مبرمجون على الخوف من المجهول، ولكن بمجرد أن نتعرف على شيء ما ونفهمه بعمق، ندرك أنه لا يوجد الكثير مما يدعو للخوف.
ومع ذلك، لكي نصل إلى هذا الإدراك، يجب أن نكون أولاً جزءاً من بيئة اجتماعية منخرطة ومفتوحة، حيث يمكن لهذا التنوع أن يتواجد ويزدهر.
غالباً ما يتم استقطاب الأشخاص المنعزلين لأنهم يفتقرون إلى فرصة الاحتكاك والتعامل مع أنواع مختلفة من الأشخاص والمجموعات، ويفتقدون للتجارب المتنوعة التي تختلف عن تجاربهم الخاصة المحدودة.
ونظراً لأنهم لا يعرفون سوى القليل جداً عن هذه المجموعات، أو لأن ما يعرفونه مبني على معلومات كاذبة أو مضللة، فإنهم يطورون ردود فعل سلبية غير مرغوب فيها تجاه وجودهم.
نتيجة لذلك، يصبحون أكثر عرضة لاستهلاك وتصديق ونشر المعلومات المضللة، والتي تُبنى على تصورات متطرفة ومغلوطة لما يعتقدون أنه “الحقيقة” المطلقة.
خاتمة
في عالم يتم فيه التعبير عن الكراهية بنفس معدل التعبير عن الحب، يجب أن نعترف بأن الطريقة الوحيدة لمواجهة الآثار السيئة للكراهية غير المبررة، وفتح أعين أولئك الذين يحملون الضغينة، ليست في تجنبهم أو إقصائهم، بل في إشراكهم بشكل فعال في عملية توضيح الحقيقة.
إنه ليس بالأمر السهل تقبله، ولكن أولئك الذين يظلون منفصلين عن المجتمع ويُحرمون من الصحبة الطيبة والمراعاة، غالباً ما يجدون ملاذهم في الكراهية والعنف.
يجب علينا كأفراد ومجتمع أن نتخذ الخطوة الأولى نحوهم، وأن نمد لهم يد العون والاحتواء، لئلا يسيروا بعيداً في طريق مظلم قد لا يكون منه عودة أبداً.
References
(2021) How do people radicalize? – ScienceDirect.com. ScienceDirect
(2020) The Link Between Social Isolation and Violent Extremism by …. The University of Pittsburgh
Edges of Radicalization – jstor. JSTOR
Radicalisation in the digital era – RAND Corporation. The RAND Corporation
