
كيف ساهمت هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية في انقسام كوريا؟
شهد العالم انقسام كوريا إلى شمالية وجنوبية وسط تعقيدات الجغرافيا السياسية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى تكريس انقسام مرير شكلته الحرب الباردة.
لم يكن تقسيم شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين منفصلتين أمراً حتمياً، بل كان نتاجاً للجغرافيا السياسية العالمية والواقع العسكري في نهاية الحرب العالمية الثانية.
طالما سعى الشعب الكوري نحو الاستقلال والتحرر من الهيمنة الأجنبية، لكن أحلامه في تأسيس دولة ذات سيادة موحدة تأجلت بسبب ظهور الحرب الباردة بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي. ومع انتقال السيطرة من طرف إلى آخر في كوريا، تم تقسيم شبه الجزيرة على طول خط عرض 38، مما مهد الطريق لصدع عميق ومستمر حتى يومنا هذا.
جذور الانقسام الكوري
لأكثر من ثلاثة عقود قبل عام 1945، كانت كوريا مستعمرة تابعة لـ الإمبراطورية اليابانية. ولكن عندما استسلمت اليابان لقوات الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية، تحركت القوات السوفيتية والأمريكية لقبول الاستسلام الياباني وتولي السيطرة على شبه الجزيرة الكورية. ومع ذلك، لم يكن هناك تخطيط مسبق يُذكر حول الوضع الذي ستؤول إليه كوريا ما بعد الحرب.
في مؤتمر يالطا في فبراير 1945، اقترح الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت فرض وصاية رباعية على كوريا تتألف من الولايات المتحدة، بريطانيا، الصين، والاتحاد السوفيتي. وافق الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين من حيث المبدأ، ولكن لم يتم التوصل إلى ترتيب حازم قبل وفاة روزفلت في أبريل.
بحلول مؤتمر بوتسدام في يوليو 1945، تحولت أولوية الولايات المتحدة إلى تشجيع المشاركة السوفيتية في الحرب ضد اليابان من أجل التعجيل بإنهائها. ولتسهيل الاستسلام الياباني في كوريا، حدث انقسام كوريا على طول خط عرض 38 في 15 أغسطس 1945، حيث قبلت القوات السوفيتية استسلام القوات اليابانية شمال هذا الخط، بينما قامت القوات الأمريكية بالشيء نفسه في الجنوب. كان هذا التقسيم العسكري المؤقت يهدف إلى أن يكون مجرد تدبير ارتجالي، لكنه سرعان ما تحول إلى تقسيم سياسي صارم.
ظهور أنظمة حكم منفصلة
مع انتشار الأيديولوجيات القطبية المتناقضة بين الشيوعية والرأسمالية الليبرالية الغربية، تفاقمت الانقسامات الأيديولوجية بالتوازي مع ذلك. ففي كل من منطقتي الاحتلال الشمالية والجنوبية، ساد الارتباك السياسي والاضطرابات في أعقاب انتهاء الحكم الياباني، وتنافست مجموعات أيديولوجية مختلفة على السيطرة والنفوذ.
في الجنوب، رفضت الحكومة العسكرية الأمريكية الاعتراف بـ “جمهورية كوريا الشعبية” التي تم إعلانها على عجل في سبتمبر 1945. وأُجبرت الحكومة المؤقتة المنفية التي عادت إلى البلاد على إعادة تنظيم نفسها كحزب سياسي بدلاً من تولي السلطة كحكومة.
عندما حاولت لجنة تابعة للأمم المتحدة تنظيم انتخابات لتوحيد البلاد، رفض الاتحاد السوفيتي السماح لها بالعمل في الشمال. في المقابل، مضت الانتخابات قدماً في الجنوب في مايو 1948. وأدى هذا إلى تأسيس جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية) تحت قيادة إي سنغ مان في أغسطس 1948.
حذا الشمال حذو الجنوب بعد أسابيع قليلة بإعلانه قيام جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) تحت قيادة كيم إيل سونغ. وبحلول عام 1949، ومع انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية والسوفيتية، أصبحت كوريا مقسمة إلى دولتين منفصلتين، معاديتين لبعضهما البعض، ومدججتين بالسلاح.
الحرب الكورية واندلاع الصراع
تصاعدت التوترات بين النظامين الكوريين بسرعة، مدفوعة بالتنافس بين المعسكرين الأمريكي والسوفيتي خلال فترة الحرب الباردة المبكرة. وفي 25 يونيو 1950، غزت القوات الكورية الشمالية جارتها الجنوبية، مما أشعل صراعاً مدمراً استمر ثلاث سنوات في شبه الجزيرة الكورية وعُرف باسم الحرب الكورية.
تدخلت الولايات المتحدة بشكل حاسم لدعم كوريا الجنوبية بموجب تفويض من الأمم المتحدة ضد ما اعتبرته عدواناً مدعوماً من السوفييت. وقد شكل هذا الصراع أول معركة كبرى في حقبة الحرب الباردة.
دمرت التكلفة البشرية والمادية الباهظة للحرب الكورية أي آفاق للتوحيد السلمي في المدى القريب، وضمنت أن خط الهدنة لعام 1953 سيصبح الحدود الراسخة بين كوريا الشمالية والجنوبية في المستقبل المنظور.
صدع الحرب الباردة يرسخ الانقسام
في العقود التي تلت الحرب الكورية، ازداد انقسام كوريا صرامة مع ترسيخ الأنظمة السياسية والاقتصادية المختلفة في كلا البلدين. فقد انتقلت كوريا الجنوبية تدريجياً نحو الديمقراطية الرأسمالية ونمت صناعتها بشكل سريع بفضل الدعم الاقتصادي والعسكري الأمريكي الكبير، لتصبح دولة مزدهرة وحليفاً أمريكياً قوياً.
على النقيض من ذلك، ظلت كوريا الشمالية ديكتاتورية شمولية فقيرة، وتدهور الوضع أكثر في نهاية القرن تحت فلسفة “سونغون” (Songun) أو “الجيش أولاً” التي انتهجتها عائلة كيم.
أبرز محطات انقسام شبه الجزيرة الكورية
- ما قبل عام 1945: خضوع كوريا للاستعمار الياباني لأكثر من ثلاثة عقود.
- أغسطس 1945: تقسيم كوريا على طول خط عرض 38 كإجراء عسكري مؤقت لتسهيل استسلام اليابان.
- أغسطس – سبتمبر 1948: تأسيس حكومتين منفصلتين ومستقلتين في الجنوب والشمال.
- يونيو 1950: اندلاع الحرب الكورية وتكريس الانقسام بشكل نهائي.
خاتمة
على الرغم من أن الأسباب الأصلية التي أدت إلى الانقسام لم تعد قائمة اليوم، إلا أن المواجهة المستمرة بين الكوريتين وأنظمتهما السياسية والاقتصادية المختلفة جذرياً تجعل تكاليف إعادة التوحيد باهظة ومستبعدة في الوقت الحالي.
يظل انقسام كوريا المستمر وشعبها إلى أمتين واحداً من أكثر الموروثات الجيوسياسية المأساوية والدائمة لحقبة الحرب الباردة. وسواء كان بالإمكان تحقيق حلم إقامة كوريا موحدة، سلمية، ومزدهرة في يوم من الأيام، فإنه يبقى سؤالاً مفتوحاً غارقاً في التاريخ المعقد للهيمنة الأجنبية والانقسامات الأيديولوجية المشحونة التي عانت منها شبه الجزيرة الكورية.
المراجع
- Park, H. S. (2010). Military-First (Songun) Politics: Implications for External Policies.
- The Causes of the Korean War, 1950-1953.
