
طالما سمعنا في الحكايات الشعبية والأساطير أن الخوف الشديد أو الضغط النفسي يمكن أن يحول لون الشعر إلى الأبيض في ليلة وضحاها.
لعل أشهر مثال على ذلك هو قصة الملكة الفرنسية ماري أنطوانيت، التي يُقال إن شعرها تحول بالكامل إلى اللون الأبيض في الليلة التي سبقت إعدامها.
ولكن، بعيداً عن المبالغات التاريخية، هل يوجد أساس علمي يربط بين التوتر والشيب؟
للإجابة على هذا السؤال، أجرى العلماء العديد من الأبحاث المعمقة لفهم الآلية البيولوجية التي يفقد بها الشعر لونه. في هذا المقال التفصيلي، سنغوص في أعماق بصيلات الشعر، ونستكشف كيف يتفاعل الجسم مع الضغوطات النفسية والجسدية، وما إذا كان بإمكاننا حقاً استعادة لون شعرنا الطبيعي بعد زوال التوتر.
كيف يكتسب الشعر لونه الطبيعي؟
قبل أن نفهم كيف يسلب التوتر لون الشعر، يجب أن نعرف أولاً كيف يكتسب الشعر لونه من الأساس.
تبدأ القصة تحت سطح الجلد، تحديداً داخل هياكل أنبوبية صغيرة تُعرف باسم بصيلات الشعر (Hair Follicles).
تحتوي هذه البصيلات على نوعين أساسيين من الخلايا التي تلعب دوراً في تحديد مظهر الشعر:
- الخلايا الكيراتينية (Keratinocytes): وهي الخلايا المسؤولة عن بناء جذع الشعرة نفسه وتكوين بنيته القوية.
- الخلايا الصبغية (Melanocytes): وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج صبغة الميلانين (Melanin)، التي تمنح الشعر لونه المميز (سواء كان أسود، بنياً، أشقر، أو أحمر).
تنشأ هذه الخلايا الصبغية من خزان خاص يُعرف بـ الخلايا الجذعية الصبغية (Melanocyte Stem Cells).
مع بداية كل دورة نمو جديدة للشعرة، تتحول بعض هذه الخلايا الجذعية إلى خلايا صبغية نشطة تقوم بضخ الميلانين في جذع الشعرة النامي.
مع التقدم الطبيعي في العمر، يبدأ هذا الخزان من الخلايا الجذعية في النضوب تدريجياً.
وبمجرد استنزاف هذه الخلايا، تفقد البصيلة قدرتها على إنتاج الميلانين، مما يؤدي إلى نمو شعر جديد خالٍ من الصبغة، وهو ما نراه كشعر رمادي أو أبيض-هذه العملية تُعرف طبياً باسم “Canities” أو الشيب الطبيعي.
التوتر والشيب: ماذا تقول التجارب العلمية على الحيوانات؟
لإثبات العلاقة بين التوتر والشيب، كان على العلماء تتبع المسارات العصبية والهرمونية المعقدة داخل الجسم.
في عام 2020، قادت الدكتورة يا-تشيه هسو (Ya-Chieh Hsu) من جامعة هارفارد دراسة رائدة أُجريت على الفئران لمعرفة تأثير الإجهاد الحاد على تصبغ الشعر.
توصلت الدراسة إلى نتائج مذهلة:
عندما تتعرض الفئران لتوتر شديد، يتم تنشيط استجابة “الكر والفر” (Fight-or-Flight) التي يتحكم فيها الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System).
يؤدي هذا التنشيط إلى إفراز كميات كبيرة من هرمون وناقل عصبي يُسمى النورأدرينالين (Noradrenaline) أو النورإيبينفرين، وذلك بالقرب من بصيلات الشعر.
كيف أثر هذا الهرمون على لون الشعر؟
- أدى تدفق النورأدرينالين إلى دفع الخلايا الجذعية الصبغية للانقسام والتكاثر بسرعة جنونية وغير طبيعية.
- نتيجة لهذا النشاط المفرط، تحولت جميع الخلايا الجذعية إلى خلايا صبغية ناضجة في وقت واحد.
- في النهاية، استُنزف الخزان بالكامل، وغادرت الخلايا الصبغية مكانها، مما ترك بصيلات الشعر بلا أي قدرة مستقبلية على إنتاج اللون.
النتيجة في الفئران كانت قاطعة: التوتر يسبب شيباً مبكراً ودائماً لا رجعة فيه بسبب تدمير الخلايا الجذعية الصبغية.
هل ينطبق الأمر نفسه على البشر؟
على الرغم من أن التجربة السابقة كانت ثورية، إلا أن بيولوجيا الإنسان تختلف في بعض الجوانب الدقيقة عن الفئران. لذلك، في عام 2021، نُشرت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة كولومبيا (Columbia University) لاستكشاف آلية تأثير التوتر النفسي على شيب الشعر لدى البشر.
أكدت الدراسة أن التوتر يؤدي بالفعل إلى شيب الشعر لدى البشر، ولكن من خلال مسارات مختلفة قليلاً.
فقد أظهرت التحليلات أن الضغط النفسي يؤثر بشكل مباشر على الميتوكوندريا (Mitochondria)، وهي مصانع الطاقة داخل الخلايا.
يؤدي الإجهاد النفسي إلى تغييرات في الميتوكوندريا وإفراز بروتينات معينة في جذع الشعرة.
هذه التغيرات الخلوية توقف عمل الخلايا الصبغية بشكل مؤقت وتمنعها من إفراز الميلانين، مما يؤدي إلى تحول أجزاء من الشعرة إلى اللون الرمادي أو الأبيض خلال فترات التوتر الشديد.
المفاجأة الكبرى: هل يمكن عكس عملية الشيب الناتجة عن التوتر؟
هنا يأتي الجزء الأكثر إثارة وتفاؤلاً في الأبحاث الحديثة-في حين أن الشيب المرتبط بالتوتر لدى الفئران كان دائماً ولا رجعة فيه بسبب استنزاف الخلايا الجذعية، أظهرت دراسة جامعة كولومبيا على البشر نتيجة مختلفة ومبشرة للغاية.
اكتشف العلماء أن الشيب الناتج عن التوتر النفسي في الإنسان يمكن أن يكون قابلاً للعكس (Reversible).
لقد استخدم الباحثون تقنيات تصوير دقيقة جداً لفحص شعيرات مفردة، ولاحظوا أن الشعر يعمل كـ “سجل زمني” للتوتر، يشبه تماماً الحلقات السنوية داخل جذع الشجرة.
عندما كان المشاركون يمرون بفترات من الضغط النفسي العالي، كانت أجزاء معينة من شعيراتهم تنمو بلون أبيض. والمفاجأة كانت عندما تخلص هؤلاء الأشخاص من مصدر التوتر (على سبيل المثال، أخذ إجازة مريحة والمشي في الطبيعة)، عادت الشعرة لتنمو بلونها الطبيعي الملون مرة أخرى!
هذا الاكتشاف يغير نظرتنا للشيخوخة؛ فهو يثبت أن التغيرات الجسدية المرتبطة بالعمر ليست دائماً حتمية ونهائية، بل يمكن أن تتأثر بشكل مباشر بحالتنا النفسية وأسلوب حياتنا.
عوامل أخرى تساهم في ظهور الشيب المبكر
إلى جانب التوتر والشيب، هناك عدة أسباب وعوامل أخرى تلعب دوراً رئيسياً في فقدان الشعر للونه قبل الأوان، وتشمل:
- العوامل الوراثية والجينية: إذا كان والداك قد عانيا من الشيب المبكر، فمن المحتمل جداً أن تواجه نفس المصير في سن مبكرة. الوراثة هي العامل الأقوى في تحديد متى يبدأ شعرك بفقدان لونه.
- الإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress): يحدث عندما يختل التوازن بين الجذور الحرة ومضادات الأكسدة في الجسم. يمكن للسموم البيئية، والتدخين، وسوء التغذية أن تزيد من الإجهاد التأكسدي الذي يتلف بصيلات الشعر.
- نقص الفيتامينات والمعادن: نقص مستويات فيتامين ب12 (Vitamin B12)، والحديد، والزنك، وفيتامين د يمكن أن يسرع من عملية الشيب.
- الحالات الطبية: بعض الأمراض المناعية مثل البهاق (Vitiligo) أو اضطرابات الغدة الدرقية قد تتسبب في توقف إنتاج الميلانين في الشعر.
الخلاصة: كيف تحافظ على شباب شعرك؟
التقدم في العمر وفقدان الخلايا الكيراتينية والصبغية لحيويتها هو أمر بيولوجي لا مفر منه، وفي النهاية، سيواجه معظمنا الشيب كجزء طبيعي من رحلة الحياة.
ولكن، العلم يثبت الآن بما لا يدع مجالاً للشك أن التوتر يسرع من هذه العملية بشكل كبير.
إذا كنت ترغب في تأخير ظهور الشعر الأبيض، أو حتى محاولة عكس الشيب الناتج عن الإرهاق النفسي، فإن الحل يكمن في نمط حياتك.
امنح نفسك قسطاً من الراحة، مارس تقنيات الاسترخاء مثل التأمل أو اليوجا، احصل على نوم كافٍ، وتناول نظاماً غذائياً متوازناً غنياً بمضادات الأكسدة.
السيطرة على التوتر لن تنقذ لون شعرك فحسب، بل ستنعكس إيجاباً على صحتك الجسدية والنفسية ككل.
References
What Causes Hair Loss in Men? – www.webmd.com
Fact or Fiction?: Stress Causes Gray Hair. Scientific American
You Asked: Can Stress Cause Gray Hair?. Time
B Zhang. (2020) Hyperactivation of Sympathetic Nerves Drives Melanocyte …. National Center for Biotechnology Information
Rosenberg, A. M., Rausser, S., Ren, J., Mosharov, E. V., Sturm, G., Ogden, R. T., … Picard, M. (2021, June 22). Quantitative mapping of human hair greying and reversal in relation to life stress. eLife. eLife Sciences Publications, Ltd.
