
“فكرة واحدة.. مرنة.. وعالية العدوى. بمجرد أن تسيطر الفكرة على الدماغ، يصبح من المستحيل تقريباً القضاء عليها.” – كوب، فيلم Inception.
إذا كنت قد شاهدت فيلم Inception الشهير، فقد تعتقد أن زرع فكرة في عقل شخص ما هو مهمة خطيرة ومعقدة لا يمكن أن ينجزها سوى قلة من المتخصصين.
أم أن الأمر ليس كذلك؟ في الفيلم، يعتبر البطل “كوب” خبيراً في التسلل إلى العقل الباطن للآخرين، وبفضل هذه المهارة الفريدة، يتم استئجاره لزرع فكرة داخل عقل شخص ما.
ولكن، هل يمكن حقاً تحقيق مثل هذا الإنجاز في الحياة الواقعية؟
في حين أن فكرة وجود تكنولوجيا قادرة على تسجيل الأحلام تبدو بعيدة المنال في الوقت الحالي، هل يمكننا زرع فكرة في رأس شخص يغفو في حالة تشبه الحلم… دعنا نقول، من خلال التنويم المغناطيسي؟ دعونا نتعمق في هذا الموضوع المثير لنكتشف الحقيقة!
ما هو التنويم المغناطيسي؟ وهل هو حقيقي؟
عندما نسمع كلمة “التنويم المغناطيسي“، قد يتبادر إلى أذهاننا صورة طبيب شرير أو ساحر يرتدي عباءة سوداء يقف على المسرح ويقوم بأرجحة ساعة جيب ذهبية أمام شخص غير مدرك لما يحدث، ليجعله يقوم بأفعال مجنونة ومضحكة.
في الواقع، أي طبيب نفسي تلتقي به سيشعر بالانزعاج من الطريقة التي يتم بها تصوير التنويم المغناطيسي عادةً في الأفلام والثقافة الشعبية.
سيرفض معظم الخبراء تماماً فكرة أن المنومين المغناطيسيين قادرون على تحويل الضحايا الأبرياء إلى دمى بعيون زجاجية لا يملكون أي سيطرة على أفعالهم.
لطالما كان التنويم المغناطيسي موضوعاً للنقاش والجدل بين العلماء والأطباء منذ القرن التاسع عشر، عندما اكتسب شعبية لأول مرة تحت مسمى “المسمرية” (Mesmerism).
ومع ذلك، فإن النسخة الحديثة منه بدأت تجد طريقها ببطء نحو التيار العلمي السائد.
وبفضل الدراسات التي تستخدم تقنيات تصوير الدماغ المتقدمة، أصبحنا نفهم هذه الظاهرة بشكل أعمق بكثير.
هل يبدو التنويم المغناطيسي وكأنه حلم؟
على الرغم من أن كلمة “التنويم المغناطيسي” (Hypnosis) مشتقة من كلمة “Hypnos” (وهو إله النوم أو روح النوم في الأساطير اليونانية)، إلا أنه لا يُتوقع من الأشخاص الخاضعين للتنويم المغناطيسي أن يناموا بالفعل.
العملية تشبه إلى حد كبير أحلام اليقظة، حيث تركز انتباهك بشكل كامل على المهمة التي تقوم بها، بينما تتجاهل وتستبعد المحفزات الأخرى من حولك.
على سبيل المثال، عندما تكون مندمجاً في مشاهدة ذروة الأحداث المثيرة في فيلم ما بانتباه شديد، فإنك تمرر وعاء الفشار تلقائياً لشخص طلبه منك دون أن تفكر في الأمر.
في الحقيقة، التنويم المغناطيسي هو حالة طبيعية نمر بها ونختبرها بشكل متكرر في حياتنا اليومية دون أن ندرك ذلك.
العقل الواعي مقابل العقل الباطن
تصبح الإجابة على قدرة التنويم المغناطيسي واضحة عندما نفهم الفرق الأساسي بين العقل الواعي والعقل الباطن فيما يتعلق بكيفية عمل التنويم.
بالطبع، يتمتع العقل الباطن بأهمية بالغة.
يُعتقد أن العقل الباطن يلعب دوراً رئيسياً في كيفية تصرفنا وسلوكنا بناءً على الذكريات والتجارب التي نخزنها في عقولنا على مدى فترة طويلة من الزمن.
وبناءً على هذه المعرفة، تم استخدام تقنيات التنويم المغناطيسي للوصول إلى العقل الباطن في العديد من المجالات، مثل التحقيقات الجنائية.
من المثير للاهتمام أن إحدى الشخصيات في فيلم Inception تشير إلى أنه في حالة الحلم، عندما “تنخفض الدفاعات الواعية“، يصبح من الممكن الدخول إلى العقل الباطن لشخص ما للتلاعب بأفكاره وذكرياته.
هل يمكن استخدام هذه الطريقة لزرع أفكارك في عقل شخص آخر؟
تظهر الأبحاث أن التنويم المغناطيسي لا يمكنه فقط تغيير الطريقة التي نرى بها العالم، بل قد يؤدي أيضاً إلى الإيحاء بذكريات عن أشياء لم تحدث أبداً.
ومع ذلك، لا يوجد حالياً أي دليل علمي قاطع يثبت أنه يمكن استخدام التنويم المغناطيسي لزرع فكرة جديدة كلياً في عقل شخص ما.
لكن هناك ما يسمى بـ “التهيئة” (Priming)، وهي تقنية يستخدمها المنومون المغناطيسيون لإدخال أفكار جديدة إلى عقول الناس، مما يؤدي إلى تغيير سلوكياتهم ووجهات نظرهم وفقاً لذلك.
يتم “تهيئة” الأشخاص الخاضعين للتنويم لقبول الأفكار كما لو كانت قد نبعت بصدق من رؤوسهم هم.
وفي هذا السياق، يمكننا القول إن الأشخاص في حالة الغيبوبة التنويمية (Hypnotic Trance) قد يقبلون أفكاراً أو اقتراحات كانوا سيرفضونها في حالتهم الطبيعية.
لا عجب إذن أن العلاج بالتنويم المغناطيسي (Hypnotherapy) قد أثبت فعاليته في المساعدة على إدارة الألم، والقلق، والاكتئاب، والعديد من المشكلات الصحية الأخرى.
كما أنه يساعد المرضى على أن يصبحوا أكثر قابلية للإيحاء، مما يسهل عليهم التخلص من السلوكيات غير الصحية مثل التدخين.
هل ينجح التنويم المغناطيسي مع الجميع؟
من غير المرجح ذلك! بعض الأشخاص يسهل تنويمهم مغناطيسياً أكثر من غيرهم.
في الأشخاص الذين يسهل تنويمهم، تبين أن هناك منطقتين في الدماغ تعملان بتزامن وتوافق تام مع بعضهما البعض.
إحداهما هي القشرة الجبهية الظهرانية اليسرى (Left Dorsolateral Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل التثبيط، والذاكرة العاملة، وغيرها.
أما المنطقة الأخرى فهي القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (Dorsal Anterior Cingulate Cortex)، وهي منطقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتركيز والانتباه.
على النقيض من ذلك، فإن الأفراد الأقل عرضة للتنويم المغناطيسي يظهرون اتصالاً وظيفياً ضئيلاً بين هذين الجزأين من الدماغ.
لكي يقع شخص ما تحت “سحرك“ الإيحائي، يجب أن يمتلك البنية الدماغية المناسبة، إلى جانب كونه راغباً ومتعاوناً. وهذا ليس مزيجاً يسهل تحقيقه دائماً! إذن، هل التنويم المغناطيسي هو الطريقة الوحيدة لزرع فكرة في العقل الباطن لشخص ما؟ ليس تماماً! في الواقع، يقوم الناس بذلك طوال الوقت دون أن يدركوا.
كلمة أخيرة
ليس من الممكن علمياً (حتى الآن!) التسلل إلى شقوق وزوايا عقل شخص ما كما يفعلون في فيلم Inception.
كما أنه لا يزال هناك الكثير من الأبحاث المطلوبة لفهم تأثير التنويم المغناطيسي بشكل كامل على العقل الباطن والسلوك البشري.
ومع ذلك، يمكن استخدام التنويم المغناطيسي كأداة لزرع فكرة في عقل شخص ما أو جعله “يرغب” في القيام بشيء ما لأغراض طبية وعلاجية؛ ويعتمد الأمر كله على مدى قابليتهم للتنويم واستعدادهم للتعاون.
References
R WILSON. HYPNOSIS – INVESTIGATING THE SUBCONSCIOUS. The Office of Justice Programs
Hypnosis found to alter the brain: Subjects see color where …. Harvard University
