نهاية العالم الأولى: هل حلت وثائق “ميلارت” الملعونة ولغز الحمض النووي سر انهيار العصر البرونزي؟

optimized image 1770991641889
نهاية العالم الأولى: هل حلت وثائق “ميلارت” الملعونة ولغز الحمض النووي سر انهيار العصر البرونزي؟

مقدمة: هشاشة العولمة القديمة ولغز عام 1177 ق.م

شهد القرن الثاني عشر قبل الميلاد حدثاً مفصلياً في التاريخ البشري، يُعرف اصطلاحاً بـ “انهيار العصر البرونزي المتأخر”.

لم يكن هذا الحدث مجرد سقوط لإمبراطورية واحدة، بل كان انهياراً متزامناً وشاملاً للنظام الدولي الذي كان يربط بين القوى العظمى في شرق المتوسط (مصر الفرعونية، الإمبراطورية الحيثية، الحضارة الميسينية، وممالك بلاد الشام).

تشير الدراسات التاريخية إلى أن هذا العالم كان يتسم بـ “عولمة مبكرة”، حيث الترابط الاقتصادي والدبلوماسي العميق. ومع ذلك، وبحلول عام 1177 ق.م (تاريخ رمزي حدده المؤرخ إريك كلاين)، تحولت مدن مزدهرة ومحصنة مثل “حاتوسا” و”أوغاريت” و”مايسينا” إلى ركام، واختفت تقنيات الكتابة من مناطق واسعة، ودخلت البشرية في “عصور مظلمة” استمرت لقرون.

ظل اللغز المحير: من هو الفاعل؟ هل هم “شعوب البحر” كما وصفتهم النقوش المصرية؟ أم أن هناك عوامل بنيوية أعمق؟

إشكالية “شعوب البحر” والوثائق المسربة (أرشيف بيكوي)

تقليدياً، اعتمد المؤرخون على نقوش رمسيس الثالث في مدينة هابو، التي صورت غزوات بحرية لتحالفات قبلية (البيليست، التيكر، الشردان). لكن، ظل أصل هؤلاء ومنطق تحركهم غامضاً.

في عام 2017، وخلال تطور دراماتيكي، كشف العالمان “إيبرهارد زانجر” و”فريد وودهويزن” عما يُعرف بـ “وثائق بيكوي” (Beyköy Inscription).

هذه الوثائق هي عبارة عن مسودات عُثر عليها في تركة عالم الآثار البريطاني الراحل “جيمس ميلارت”، تزعم هذه الوثائق أنها نسخ لنقش هيروغليفي لوفي (Luwian) مفقود بطول 29 متراً.

وبحسب الترجمة المنشورة، فإن النقش يروي تفاصيل حملة عسكرية منظمة قادها تحالف من ممالك غرب الأناضول (يُطلق عليهم “ممالك اللويين”) ضد الحيثيين والمصريين.

هذا الكشف يطرح فرضية أن “شعوب البحر” لم يكونوا برابرة عشوائيين، بل كانوا جزءاً من حراك سياسي منظم سعى لملء الفراغ الناتج عن ضعف الحيثيين.

التحليل النقدي: بين التزوير والحقيقة

أثار هذا “التسريب” جدلاً أكاديمياً حاداً، فريق يرى فيه “الحلقة المفقودة” التي تفسر كيف سقطت الإمبراطورية الحيثية من الداخل والخارج.

وفريق آخر يتهم “ميلارت” بتزوير هذه المسودات كنوع من الانتقام الأكاديمي بعد تهميشه لسنوات طويلة بسبب شكوك حول نزاهته العلمية.

ومع ذلك، فإن التفاصيل الجغرافية والسياسية الواردة في النصوص تتطابق بشكل مثير للريبة مع اكتشافات أثرية حديثة في غرب تركيا، مما يجعل رفضها كلياً أمراً صعباً.

الأدلة الجنائية البيولوجية: ثورة الحمض النووي (DNA)

بعيداً عن جدل النصوص، قدم العلم الحديث أدلة مادية لا تقبل التأويل.

في دراسة مرجعية نُشرت في مجلة Science Advances (2019)، قام فريق دولي بتحليل الحمض النووي لرفات بشرية استخرجت من مقبرة في عسقلان (Ashkelon) تعود للفترة الانتقالية بين العصر البرونزي والحديدي.

أظهرت النتائج بصمة وراثية تعود لأصول جنوب أوروبية (تحديداً منطقة بحر إيجة وجنوب إيبيريا)، ظهرت فجأة في السجل الوراثي للمنطقة ثم ذابت تدريجياً في السكان المحليين خلال قرنين.

هذا الدليل يحسم جدلاً استمر عقوداً: “شعوب البحر” (أو على الأقل البيليست/الفلسطينيون القدماء) كانوا بالفعل مهاجرين قادمين من أوروبا، مما يدعم الرواية المصرية القديمة عن الغزاة القادمين من “الجزر”.

النظرية الموحدة: “العاصفة المثالية” (The Perfect Storm)

يتجه الإجماع الأكاديمي حالياً، بقيادة باحثين مثل إريك كلاين، إلى رفض التفسير الأحادي (الغزو العسكري فقط).

النظرية الأكثر قبولاً هي “انهيار النظم المعقدة” (Systems Collapse). وتعتمد هذه النظرية على دمج البيانات من عدة تخصصات:

  • علم المناخ القديم: دراسة حبوب اللقاح (Pollen Cores) من بحيرة طبريا وقبرص أثبتت وجود “جفاف ضخم” (Megadrought) استمر لثلاثة قرون، مما أدى لمجاعات واسعة.
  • علم الزلازل الأثري: وجود أدلة على “عاصفة زلزالية” (Earthquake Storm) ضربت الصدع الأناضولي واليوناني في فترة الـ 50 سنة المصاحبة للانهيار، مما دمر البنية التحتية للمدن.

إذن، السيناريو الأرجح هو: تغير مناخي وزلازل أدت إلى انهيار اقتصادي، مما دفع شعوباً من جنوب أوروبا (المتضررة أيضاً) للنزوح العسكري (شعوب البحر)، فوجدوا الإمبراطوريات الشرقية منهكة، فأسقطوها كأحجار الدومينو المتداعية.

الخاتمة: درس من الماضي

إن قصة انهيار العصر البرونزي ليست مجرد لغز أثري، بل هي إنذار للحاضر.

فهي تخبرنا كيف يمكن لمجتمع “معولم” ومترابط ومعقد للغاية أن ينهار بسرعة مذهلة إذا تضافرت عليه عوامل المناخ، والأوبئة، والحروب، وانهيار سلاسل التوريد. ما حدث في 1177 ق.م هو السيناريو الأسوأ لما يمكن أن يحدث لأي حضارة تعتقد أنها “أكبر من أن تفشل”.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE