why some lose appetite when depressed others eat more
لماذا يفقد بعض الأشخاص شهيتهم عند الاكتئاب بينما يأكل آخرون أكثر؟

مقدمة

يعتبر الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً وتعقيداً، حيث يلقي بظلاله الثقيلة على كل جانب من جوانب حياة الإنسان.

ومن بين أكثر الأعراض إثارة للحيرة والانقسام بين مرضى الاكتئاب هو تأثيره على الاكتئاب والشهية وعادات تناول الطعام.

بالنسبة لبعض الأشخاص، يجعلهم الاكتئاب يفقدون الرغبة تماماً في تناول الطعام، حيث يبدو الطعام بلا طعم وتصبح فكرة الأكل عبئاً ثقيلاً.

وعلى النقيض تماماً، يجد آخرون في الثلاجة ملاذهم الآمن، حيث يندفعون نحو الإفراط في تناول الأطعمة، وخاصة تلك الغنية بالسكريات والدهون.

فما هو التفسير العلمي وراء هذا التناقض العجيب؟ ولماذا يتفاعل الدماغ البشري بطريقتين مختلفتين تماماً مع نفس المرض؟

الوجهان المختلفان للاكتئاب: النمط الكلاسيكي والنمط غير النمطي

الاكتئاب ليس مرضاً بقالب واحد يناسب الجميع، بل هو طيف واسع من الأعراض والتغيرات الفسيولوجية.

وفقاً للأدلة التشخيصية الطبية، تمثل التغيرات في الشهية والوزن علامات تشخيصية رئيسية للاكتئاب، ولكنها تأخذ اتجاهين مختلفين:

  • الاكتئاب السوداوي (Melancholic Depression): وهو النمط الكلاسيكي الذي يترافق عادة مع فقدان شديد للشهية، وصعوبة في النوم، وفقدان الوزن الملحوظ.
  • الاكتئاب غير النمطي (Atypical Depression): يتميز بزيادة ملحوظة في الشهية، الرغبة الشديدة في تناول الكربوهيدرات، زيادة الوزن، والنوم لفترات أطول من المعتاد.

تشير الدراسات إلى أن حوالي 48% من مرضى الاكتئاب البالغين يعانون من انخفاض في الشهية، بينما يعاني حوالي 35% من زيادة في الشهية.

هذا التباين ليس مجرد صدفة، بل يعكس اختلافات عميقة في استجابة الدماغ العصبية والهرمونية.

لماذا يفقد بعض الأشخاص شهيتهم عند الاكتئاب؟

لفهم العلاقة بين الاكتئاب والشهية وخاصة في حالات الفقدان، يجب أن ننظر إلى أعماق الدماغ، وتحديداً إلى منطقة تُعرف باسم الفص الجزيري (Insula).

تلعب هذه المنطقة دوراً حاسماً في ما يُعرف بـ “الحس العميق” أو “إدراك حالة الجسم” (Interoception)، وهي القدرة على الشعور بالإشارات الفسيولوجية الداخلية مثل الجوع، العطش، ونبضات القلب.

نقص نشاط الفص الجزيري

أظهرت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي للدماغ أن الأشخاص الذين يفقدون شهيتهم بسبب الاكتئاب يعانون من انخفاض (نقص نشاط) في منطقة الفص الجزيري.

هذا يعني أن الدماغ لا يتلقى أو يعالج إشارات الجوع القادمة من المعدة بشكل صحيح، مما يؤدي إلى عدم الشعور بالحاجة إلى تناول الطعام.

ارتفاع مستويات الكورتيزول

أثبتت الأبحاث أن مرضى الاكتئاب الذين يعانون من فقدان الشهية لديهم مستويات أعلى من الكورتيزول (هرمون التوتر) مقارنة بغيرهم.

عندما يكون الجسم في حالة توتر مستمر، يقوم الجهاز العصبي بإيقاف الوظائف غير الضرورية للبقاء الفوري، ومن أهمها عملية الهضم، مما يؤدي إلى انعدام الشهية.

لماذا يندفع آخرون نحو الإفراط في تناول الطعام؟

على الجانب الآخر، تكمن الإجابة وراء الرغبة الشديدة في تناول الطعام أثناء الاكتئاب في نظام المكافأة في الدماغ (Reward System)، وتحديداً في المسار الذي يُعرف بالمسار الوسطي القشري الطرفي.

فرط نشاط نظام المكافأة

يعاني الأشخاص الذين تزداد لديهم الاكتئاب والشهية معاً من فرط نشاط في مناطق الدماغ المسؤولة عن المكافأة (مثل القشرة الجبهية الحجاجية والجسم المخطط البطني) عند رؤيتهم للطعام أو التفكير فيه.

البحث عن الدوبامين كعلاج ذاتي

الاكتئاب غالباً ما يرافقه شعور بـ “انعدام التلذذ” (Anhedonia)، وهو عدم القدرة على الشعور بالمتعة.

للتغلب على هذا الشعور القاسي، يلجأ الدماغ إلى آلية تعويضية وهي تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات (Comfort Foods) يؤدي إلى إفراز كميات كبيرة من الدوبامين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالسعادة والمكافأة. بالتالي، يتحول الطعام إلى شكل من أشكال “التطبيب الذاتيلتخفيف الألم النفسي مؤقتاً.

دور هرمونات التوتر: معركة بين الكورتيزول والأدرينالين

لا يمكننا الحديث عن التباين في الاكتئاب والشهية دون التطرق إلى الهرمونات التي تتحكم في استجابتنا للضغوط النفسية.

يلعب نظام الاستجابة للتوتر في الجسم دوراً محورياً في تحديد ما إذا كنا سنتوقف عن الأكل أو سنأكل بنهم:

  • الأدرينالين والتوتر الحاد: في حالات التوتر أو الحزن الشديد والمفاجئ، يفرز الجسم الأدرينالين الذي يكبح الشهية فوراً لتركيز طاقة الجسم على مواجهة الخطر.
  • الكورتيزول والتوتر المزمن: الاكتئاب هو حالة من التوتر المزمن. بينما يؤدي ارتفاع الكورتيزول المستمر لدى البعض إلى إضعاف إشارات الجوع وتثبيط الجهاز المناعي والهضمي، فإنه لدى البعض الآخر يؤدي إلى تغيير طريقة استقلاب الجسم، مما يزيد من الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالطاقة لمواجهة هذا الإرهاق المستمر.

العلاقة بين الدماغ والأمعاء: الجانب الخفي

كما تؤثر المشاعر على الأمعاء، فإن الأمعاء تؤثر أيضاً بشكل عميق على المشاعر.

التغيرات في الميكروبيوم المعوي يمكن أن تغير مستويات السيروتونين، والذي بدوره يؤثر على الحالة المزاجية.

التوتر المزمن قد يؤدي إلى تقلصات في عضلات المعدة وضعف في تدفق الدم إليها، مما يفسر الشعور بالانزعاج الجسدي والألم في المعدة عند التعرض لضغوط نفسية شديدة.

هل يمكن أن تساعدنا هذه المعرفة في العلاج؟

إن إدراك أن التغيرات في الشهية ناتجة عن اختلافات بيولوجية وعصبية حقيقية يفتح أبواباً جديدة في مجال الطب النفسي والتشخيص الدقيق.

بدلاً من الاعتماد على نهج التجربة والخطأ في وصف مضادات الاكتئاب، يمكن للأطباء مستقبلاً استخدام “الأنماط الظاهرية للشهية” لتحديد العلاج الأنسب.

فمثلاً، قد يستفيد المريض الذي يعاني من زيادة الشهية من أدوية تستهدف نظام الدوبامين والمكافأة، بينما قد يحتاج المريض الذي فقد شهيته إلى علاجات تعمل على تنظيم مستويات الكورتيزول وتحفيز الإدراك الحسي الداخلي.

الخلاصة

في النهاية، سواء كنت تفقد رغبتك في تناول الطعام أو تجد نفسك تفرط فيه عند الشعور بالاكتئاب، من المهم أن تدرك أن هذا ليس دليلاً على ضعف إرادتك.

إنها استجابة بيولوجية معقدة تتشابك فيها مناطق الدماغ، الناقلات العصبية، والهرمونات لمحاولة التأقلم مع الألم النفسي.

فهم الرابط العضوي والعصبي بين الاكتئاب والشهية هو الخطوة الأولى نحو التخلص من الشعور بالذنب، والبحث عن المساعدة الطبية المتخصصة التي تستهدف الجذور البيولوجية والنفسية للاكتئاب.

 

البكتيريا المفيدة قد تساعد في علاج الاكتئاب

حاصرات بيتا هي أحدث الأدوية المضادة للقلق

مضادات الإكتئاب تكافح الخرف في الشيخوخة

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE