
لماذا يتكون الأسبوع من سبعة أيام؟ نظرة تاريخية وعلمية شاملة
يُعد الوقت مفهماً غريباً؛ فبينما يتم قياس السنوات والشهور والأيام بناءً على حركات كونية حقيقية مثل دوران الأرض حول الشمس ودورة القمر حول الأرض، نجد أن الأسبوع يمثل استثناءً مثيراً للاهتمام.
نحن نعيش في دورة من سبعة أيام منذ آلاف السنين، فهل تساءلت يوماً لماذا لا يكون الأسبوع ثمانية أيام أو عشرة؟
البشر بطبيعتهم كائنات تبحث عن الأنماط لتنظيم حياتهم، ومنذ فجر التاريخ، كان تنظيم الوقت هو الأداة الأهم لبناء الحضارات.
إليكم القصة الكاملة وراء نشأة الأسبوع المكون من سبعة أيام.
البداية من بابل: رصد السماء القديمة
يعود الفضل الأكبر في نظامنا الحالي إلى البابليين القدماء، الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين (العراق الحالي).
كان البابليون مراقبين بارعين للسماء وعلماء فلك متفوقين وفي حوالي عام 600 قبل الميلاد، قرروا تقسيم وقتهم بناءً على ملاحظاتهم السماوية.
لاحظ البابليون وجود سبعة أجرام سماوية تتحرك في السماء بانتظام، وهي: الشمس، والقمر، والمريخ، وعطارد، والمشتري، والزهرة، وزحل.
بالنسبة لهم، كانت هذه الأجرام السبعة تمثل آلهة قوية، ومن هنا جاء الرقم سبعة كعدد مقدس يجب أن تُقسم الأيام بناءً عليه.
الرياضيات والقمر: كيف أثرت أطوار القمر؟
لم يكن الرقم سبعة مجرد اختيار عشوائي مرتبط بالآلهة فقط، بل كان له أساس رياضي مرتبط بـ الدورة القمرية. تستغرق دورة القمر حوالي 28 يوماً (أو 29.5 يوماً بدقة أكبر)، وهذا الرقم يقبل القسمة بشكل مثالي تقريباً على أربعة.
قام البابليون بتقسيم الشهر القمري إلى أربعة أجزاء، كل جزء يتكون من سبعة أيام، وهو ما يمثل الانتقال بين أطوار القمر الرئيسية (من القمر الجديد إلى الربع الأول، ثم البدر، ثم الربع الأخير).
ومع ذلك، لأن الشهر القمري ليس بالضبط 28 يوماً، كان على البابليين إجراء تعديلات دورية للحفاظ على التزامن، لكن فكرة الأسبوع المكون من سبعة أيام ظلت هي الركيزة الأساسية.
انتشار النظام: من بابل إلى العالم
لم يبقَ نظام السبعة أيام حبيس بابل؛ فقد انتشر عبر الحضارات المجاورة بفضل التجارة والفتوحات:
- اليهود: تبنوا فكرة الأسبوع المكون من سبعة أيام أثناء وجودهم في بابل، ودمجوها في عقيدتهم الدينية من خلال قصة الخلق في ستة أيام والراحة في اليوم السابع (السبت).
- الفرس والإغريق: تبنوا هذا النظام لاحقاً، حيث بدأ اليونانيون في تسمية الأيام بأسماء آلهتهم تيمناً بالكواكب.
التحول الروماني الكبير
من المثير للدهشة أن الرومان لم يبدأوا بنظام السبعة أيام.
في البداية، استخدم الرومان أسبوعاً مكوناً من ثمانية أيام يسمى “نونديناي” (nundinae)، حيث كان اليوم الثامن مخصصاً للتسوق والسوق.
تغير هذا في عام 321 ميلادي، عندما أصدر الإمبراطور قسطنطين العظيم قراراً رسمياً بتبني الأسبوع المكون من سبعة أيام في الإمبراطورية الرومانية.
ولم يكتفِ بذلك، بل جعل يوم الأحد (Day of the Sun) يوم عطلة عامة للراحة والعبادة.
لماذا سميت الأيام بهذه الأسماء؟
إذا نظرت إلى أسماء أيام الأسبوع في اللغة الإنجليزية أو اللغات اللاتينية، ستجد صلة مباشرة بالأجرام السماوية السبعة التي رصدها البابليون:
- الأحد (Sunday): يوم الشمس.
- الاثنين (Monday): يوم القمر.
- الثلاثاء (Tuesday): سُمي تيمناً بالإله “تيو” (Tiw) في الأساطير الجرمانية، وهو موازي للمريخ.
- الأربعاء (Wednesday): سُمي تيمناً بالإله “وودن” (Woden) أو أودين، وهو موازي لعطارد.
- الخميس (Thursday): يوم الإله “ثور” (Thor)، إله الرعد، وهو موازي للمشتري.
- الجمعة (Friday): يوم الإلهة “فريغ” (Frigg)، وهي موازية للزهرة.
- السبت (Saturday): يوم كوكب زحل (Saturn).
هل حاول أحد تغيير نظام السبعة أيام؟
على مر التاريخ، حاولت بعض القوى تغيير طول الأسبوع لأسباب سياسية أو إنتاجية، لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل:
- الثورة الفرنسية: في عام 1793، حاولت فرنسا اعتماد أسبوع مكون من 10 أيام لإلغاء الصبغة الدينية للتقويم وزيادة الإنتاج. لكن الناس كرهوا العمل لتسعة أيام متواصلة قبل الحصول على راحة، وتم إلغاء النظام في عام 1806.
- الاتحاد السوفيتي: حاول ستالين تطبيق أسبوع مكون من 5 أيام ثم 6 أيام لزيادة كفاءة المصانع، لكن النظام تسبب في فوضى اجتماعية وتفكك أسري، مما أدى للعودة إلى نظام السبعة أيام في عام 1940.
الخاتمة
يبدو أن نظام السبعة أيام قد صمد أمام اختبار الزمن ليس فقط بسبب جذوره الدينية أو الفلكية، بل لأنه يمثل توازناً مثالياً يحتاجه البشر بين العمل والراحة.
لقد بدأ الأمر بملاحظة بسيطة للنجوم في سماء بابل، وانتهى به الأمر ليصبح الإيقاع العالمي الذي ينظم حياة مليارات البشر اليوم.
