why do scorpions glow in the dark
لماذا تضيء العقارب في الظلام؟ السر العلمي وراء هذا التوهج الغامض

غالبًا ما نجد العقارب تندفع وتتجول في ظلام الليل، مع ذيولها المنحنية المميزة التي تشبه الفاصلة، والمستعدة دائمًا للانقضاض واللدغ.

لقد اكتسبت هذه الكائنات سمعة مخيفة كحيوانات سامة لا يستهان بها.

وباعتبارها من الحيوانات الليلية، فهي تقضي ليلها في البحث عن الفرائس، بينما تلجأ إلى الأماكن المظلمة والاختباء خلال ساعات النهار.

ولكن، ما قد لا تعرفه عن هذه الكائنات المثيرة للاهتمام هو أن العقارب تضيء في الظلام!

يحدث هذا التوهج الأخضر المزرق الذي تصدره العقارب ليلاً بسبب ظاهرة علمية تُعرف باسم التلألؤ الضوئي (Photoluminescence) والتي تحدث في قشرتها الخارجية أو ما يُعرف بالجليدة.

يفترض العلماء أن المواد الكيميائية المسؤولة عن هذا التلألؤ قد تحمي العقرب من الطفيليات، وربما تلعب دورًا حاسمًا في مساعدته على اكتشاف الملاجئ وأماكن الاختباء.

في هذا المقال، سنغوص في التفاصيل العلمية المدهشة ونكتشف سويًا لماذا وكيف تتوهج هذه العناكب المخيفة في الظلام.

الضوء فوق البنفسجي والتلألؤ الضوئي

لقد سمعنا جميعًا عن اليراعات المضيئة (Fireflies) أو رأيناها من قبل.

تمتلك هذه الحشرات الصغيرة أعضاء متخصصة في منطقة البطن، حيث تقوم بخلط إنزيمات معينة (بشكل أساسي إنزيم اللوسيفيراز) مع مواد كيميائية مثل اللوسيفيرين لإنتاج الضوء.

ونظرًا لأن هذا التفاعل الكيميائي يحدث داخل أجسامها، فإنه يُعرف باسم التلألؤ البيولوجي (Bioluminescence).

ومع ذلك، فإن هذه ليست الطريقة التي تضيء بها العقارب.

لا تستخدم العقارب التلألؤ البيولوجي؛ بل يعتمد جلدها على ظاهرة مختلفة تمامًا تُسمى التلألؤ الضوئي.

وتحديداً، تُظهر العقارب ما يُعرف بـ الفلورة القشرية” (Cuticular fluorescence).

بكلمات بسيطة، توجد مركبات معينة في طبقة القشرة الخارجية (الجليدة) أو الهيكل الخارجي للعقرب، تقوم بامتصاص الأطوال الموجية للضوء التي تقع في نطاق الأشعة فوق البنفسجية (بين 100 إلى 400 نانومتر).

هذا الامتصاص يؤدي إلى إثارة المركبات الموجودة في الهيكل الخارجي، لتحدث بعد ذلك عملية إعادة انبعاث لهذا الضوء في النطاق المرئي (بين 400 إلى 800 نانومتر)، وهو النطاق الضوئي الذي يمكن للعين البشرية رؤيته.

وهذا ما يفسر التوهج المشرق الذي نراه عندما يتم تسليط ضوء الأشعة فوق البنفسجية على عقرب في الظلام.

دور القشرة الخارجية: ما الذي يجعل العقارب تتوهج؟

يعد الهيكل الخارجي الصلب للعقرب هو البطل الحقيقي وراء ظاهرة توهج العقارب في الظلام.

وقد اكتشف العلماء وجود مركبين أساسيين في هذه القشرة الصلبة مسؤولين عن عملية الفلورة والتوهج، وهما:

  • بيتا كاربولين (β-carboline)
  • 7-هيدروكسي-4-ميثيل الكومارين (7-hydroxy-4-methyl coumarin)

ومع ذلك، لم يتوقف فضول العلماء عند هذا الحد.

فبعد دراسة الهياكل الخارجية التي تطرحها العقارب (تنسلخ منها)، اكتشف الباحثون مركبًا ثالثًا يُسمى إستر الفثالات (Phthalate ester)، والذي تبين أنه يتمتع بأكثر درجات الفلورة كثافة وقوة مقارنة بالمركبات الأخرى.

من الجدير بالذكر أن الضوء فوق البنفسجي هو مكون أساسي من مكونات ضوء الشمس المكسور، وضوء النجوم، وضوء القمر.

وفي الواقع، تزيد نسبة الأشعة فوق البنفسجية في السماء بمقدار 100 مرة أثناء غروب الشمس مقارنة بما تكون عليه في الليالي المظلمة التي يغيب فيها القمر.

وبما أن العقارب تصبح أكثر نشاطًا بعد غياب الشمس، فإنها تستفيد من وجود هذه الأطوال الموجية القصيرة من الضوء في بيئتها لتنشيط قدرتها على التوهج.

لماذا تضيء العقارب في الظلام؟

على الرغم من معرفة الكيفية الكيميائية وراء توهج العقارب، إلا أن التساؤل الأكبر كان دائمًا: لماذا تطورت هذه الميزة؟

في محاولة للإجابة على هذا السؤال، أجرى الباحثون تجارب مثيرة للاهتمام.

في إحدى الدراسات، قام العلماء بوضع نظارات واقية صغيرة جداً على عيون العقارب لحجب رؤيتها تمامًا، مما أدى إلى تقييد حركتها وتوجيهها بشكل صارم.

بناءً على نتائج هذه التجربة، افترض الباحثون أن العقارب قد تكون قادرة على اكتشاف الضوء فوق البنفسجي من خلال توهج أجسامها نفسها.

هذا يعني أن الهيكل الخارجي للعقرب يعمل وكأنه جامع فوتونات يغطي الجسم بالكامل (Whole-body photon collector).

يقوم هذا الهيكل بجمع وتحويل الطاقة التي يتلقاها من الضوء فوق البنفسجي ذي الطول الموجي القصير إلى ضوء أخضر ذي طول موجي أطول.

ويُعتقد أن الجهاز العصبي المركزي للعقرب يمكنه إدراك هذا التحول والانتقال الضوئي.

فوائد هذا النظام الاستشعاري المعقد

يمنح هذا التكيف الفريد العقارب العديد من الفوائد البيولوجية والبيئية، ومن أهمها:

  • تحديد الملاجئ: يساعد هذا الإدراك العقارب على تحديد مدى أمان الأماكن التي تتواجد فيها-إذا كان جسدها يتوهج بشدة، فهذا يعني أنها مكشوفة للضوء (وللحيوانات المفترسة)-وبالتالي، تتجه غريزيًا للابتعاد عن الضوء للبحث عن الملاجئ والظلال بناءً على شدة الضوء الذي تتعرض له.
  • تجنب التعرض للضوء: في محاولة لتجنب التعرض للأشعة فوق البنفسجية، تكون العقارب أقل نشاطًا خلال النهار وفي الليالي التي يكتمل فيها القمر (البدر)-هذه هي الطريقة التي تقيس بها ما إذا كان يجب عليها البقاء بأمان في مخبئها أو الخروج لاصطياد الفرائس.

كلمة أخيرة

في الختام، يُعد توهج العقارب في الظلام واحدة من أروع الظواهر التكيفية في المملكة الحيوانية.

إن قدرة هذه الكائنات الليلية على تحويل أجسادها إلى أجهزة استشعار حساسة للضوء فوق البنفسجي لا تبرز فقط مدى تعقيدها البيولوجي، بل تفسر أيضًا سبب قدرتها على البقاء والتكيف في بيئات صحراوية قاسية ومظلمة.

في المرة القادمة التي ترى فيها صورة لعقرب يتوهج بلون أخضر مزرق تحت ضوء الأشعة فوق البنفسجية، تذكر أن هذا التوهج ليس مجرد صدفة بصرية أو حيلة جمالية، بل هو آلية بقاء معقدة تساعد هذا المفترس الصغير على التنقل، الاختباء، واكتشاف عالمه بدقة متناهية.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE