why 19th century sailors dumped oil on the sea calm waves
لماذا كان بحارة القرن التاسع عشر يسكبون الزيت في البحر؟ العلم وراء تهدئة الأمواج

تخيل أنك في منتصف القرن التاسع عشر، عالق على متن سفينة خشبية في وسط المحيط الأطلسي بينما تضربك عاصفة هوجاء.

الأمواج تتصاعد كالجبال، والرياح تعصف بكل قوتها، ويبدو أن السفينة على وشك الغرق.

في هذه اللحظة الحرجة، بدلاً من التخلي عن الأمل، يقوم القبطان بأمر غريب: سكب كميات ضخمة من الزيت في البحر.

قد يبدو هذا التصرف للوهلة الأولى عملاً من أعمال اليأس أو حتى تلوثاً بيئياً غير مبرر، ولكن بالنسبة للبحارة القدامى، كان هذا الإجراء هو الفرق بين الحياة والموت.

فما هو السر العلمي وراء قدرة الزيت على تهدئة الأمواج العاتية؟

تاريخ ممارسة سكب الزيت في البحار

لم تكن فكرة استخدام الزيت لتهدئة المياه مجرد أسطورة بحرية، بل كانت ممارسة موثقة عبر التاريخ.

أشار إليها الفلاسفة القدماء مثل أرسطو وبليني الأكبر، حيث وصفوا كيف كان الغواصون يضعون الزيت في أفواههم ثم ينفخونه تحت الماء لتهدئة السطح وتحسين الرؤية.

وفي العصر الحديث، وتحديداً في عام 1770، لاحظ المخترع الأمريكي الشهير بنجامين فرانكلين هذه الظاهرة أثناء سفره إلى إنجلترا.

لاحظ أن أثر سفينتين كان هادئاً بشكل مريب، واكتشف أن الطهاة على متن السفينة كانوا يسكبون مياه الطبخ الدهنية في المحيط.

أثار هذا فضول فرانكلين العلمي، وقام بإجراء تجربة شهيرة في بركة بمقاطعة كلافام بلندن، حيث سكب ملعقة صغيرة من الزيت على الماء ولاحظ أنها انتشرت بسرعة مذهلة لتجعل سطح البركة “ناعماً مثل المرآة“.

كيف يعمل الزيت على تهدئة المحيط؟ (الفيزياء وراء الظاهرة)

لفهم لماذا يهدئ الزيت الأمواج، يجب أن ننظر إلى الخصائص الفيزيائية للزيت والماء والتفاعل بينهما.

السر يكمن في مبدأين أساسيين: عدم الامتزاج (Immiscibility) والتوتر السطحي.

طبقة جزيئية واحدة رقيقة

الزيت والماء لا يختلطان,عندما يسكب الزيت على سطح الماء، فإنه لا يغرق ولا يمتزج، بل ينتشر ليشكل طبقة رقيقة للغاية تُعرف باسم الطبقة أحادية الجزيء (Monomolecular layer).

هذه الطبقة تكون بسمك جزيء واحد فقط، ولكنها تمتلك طاقة قوية جداً.

التوتر السطحي والرياح

في الحالة الطبيعية، عندما تهب الرياح فوق سطح الماء، فإنها تخلق احتكاكاً وهذا الاحتكاك يمسك بسطح الماء ويسحبه، مما يؤدي إلى تكوين تموجات صغيرة تتطور تدريجياً إلى أمواج ضخمة.

عندما يتم وضع الزيت، فإنه يقلل من التوتر السطحي للماء بشكل كبير, طبقة الزيت الرقيقة تعمل كدرع أو “زلقة“؛ فبدلاً من أن تمسك الرياح بسطح الماء وتدفعه للأعلى لتكوين الأمواج، فإنها تنزلق فوق طبقة الزيت.

هذا يمنع الرياح من نقل طاقتها إلى الماء، مما يمنع تكون القمم الحادة للأمواج التي تسمى الرؤوس البيضاء” (Whitecaps).

هل الزيت يوقف الأمواج الكبيرة حقاً؟

من المهم توضيح سوء فهم شائع: الزيت لا يوقف “المد الجبلي” أو الأمواج العميقة الضخمة (Swells) التي يسببها ضغط الماء العميق. بدلاً من ذلك، الزيت فعال جداً في منع انكسار الأمواج.

الأمواج المنكسرة هي الأخطر على السفن، لأن الماء المتساقط من قمة الموجة هو الذي يحطم أسطح السفن ويملأها بالماء مما يؤدي لغرقها.

الزيت يحول هذه الأمواج القاتلة إلى “تلال” مائية ناعمة ومنحدرة، مما يسمح للسفينة بالارتفاع والانخفاض فوقها بأمان دون أن تتحطم المياه فوق ظهرها.

لماذا توقف البحارة عن استخدام هذه الطريقة؟

على الرغم من فاعليتها المثبتة في إنقاذ الأرواح، إلا أن سكب الزيت في البحر أصبح اليوم ممارسة محظورة ومستهجنة لعدة أسباب:

  1. الأثر البيئي المدمر: الزيوت، خاصة النفطية منها، تسبب كوارث بيئية. فهي تقتل الطيور البحرية، وتسمم الأسماك، وتدمر الشعاب المرجانية والنظم البيئية الحساسة.
  2. التطور التكنولوجي: السفن الحديثة أصبحت أكبر وأقوى ومصممة بتقنيات استقرار هيدروليكية وإلكترونية تغنيها عن استخدام مثل هذه الأساليب البدائية.
  3. القوانين الدولية: تمنع اتفاقية MARPOL الدولية تلوث البحار بالزيوت، وتفرض غرامات باهظة على أي سفينة تقوم بتفريغ الزيت في المحيطات.

الخلاصة

كان سكب الزيت في البحر ابتكاراً فيزيائياًذكياً استخدمه البحارة لقرون لمواجهة غضب الطبيعة.

من خلال استغلال خصائص التوتر السطحي، تمكنوا من تحويل الأمواج الكاسرة القاتلة إلى تموجات هادئة.

واليوم، تظل هذه الظاهرة تذكيراً رائعاً بكيفية فهم الإنسان الأولي للفيزياء وتطبيقها في أصعب الظروف للبقاء على قيد الحياة.

أسلحة غريبة مخلب أرخميدس

 
WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE