
تشريح الكارثة: التحليل الجيوسياسي والجنائي لمأساة حملة فرانكلين (1845-1848)
لم تكن رحلة السير جون فرانكلين مجرد بعثة استكشافية عابرة في سجلات التاريخ البحري؛ بل كانت تجسيداً مادياً للغطرسة التكنولوجية والسياسية للإمبراطورية البريطانية في ذروة العصر الفيكتوري.
كان الهدف المعلن هو رسم الخرائط النهائية للممر الشمالي الغربي لفتح شريان تجاري جديد نحو آسيا، ولكن الهدف الاستراتيجي المضمر كان فرض السيادة البحرية البريطانية المطلقة على القطب الشمالي.
ومع ذلك، تحولت هذه البعثة إلى “أكبر كارثة في تاريخ الاستكشاف القطبي الملكي”، مخلفة وراءها إرثاً من الألغاز التي استعصت على الحل لقرن ونصف، وتتطلب منا اليوم إعادة قراءة الأحداث في ضوء أحدث الاكتشافات العلمية.
الإعداد اللوجستي وبذور الفناء المبكر
انطلقت السفينتان HMS Erebus و HMS Terror مزودتين بأحدث تقنيات العصر: محركات بخارية (كانت في الأصل قاطرات سكك حديدية تم تعديلها لتدوير رفاص السفينة)، أنظمة تحلية مياه متطورة، ومؤن غذائية هائلة شملت 8000 علبة لحم وحساء وخضروات؛ ورغم هذا الإعداد الضخم، تشير الدراسات التحليلية الحديثة (ما بعد عام 2010) إلى أن بذور الفناء كانت مزروعة في صلب هذا الإعداد اللوجستي:
- صفقة التوريد القاتلة: تم منح عقد تعليب الطعام للمورد “ستيفن غولدمر” قبل أسابيع قليلة من الإبحار. السرعة الجنونية في الإنتاج أدت إلى لحام العلب بشكل بدائي وفاسد باستخدام كميات مفرطة من الرصاص الذي تسرب إلى الطعام بمرور الوقت.
- التسمم العصبي البطيء: أثبتت تحليلات العظام التي أجراها الدكتور أوين بيتي (جامعة ألبرتا) وجود مستويات رصاص سامة في رفات الطاقم؛ هذا التسمم لم يؤدِ فقط للوهن الجسدي، بل تسبب في تدهور عصبي ونفسي خطير (Neurotoxicity)، مما يفسر القرارات غير المنطقية والاضطرابات السلوكية التي اتخذها الضباط في المراحل الأخيرة من الكارثة.
الجدول الزمني للانهيار: من الحصار إلى اليأس
بناءً على “ورقة فيكتوري بوينت” (Victory Point Note) – وهي الوثيقة المكتوبة الوحيدة التي عثر عليها في ركام صخري – يمكننا إعادة بناء سيناريو الكارثة بدقة:
- شتاء 1845-1846: قضت البعثة شتاءها الأول في جزيرة بيتشي. وفاة ثلاثة بحارة بمرض السل والتهاب الرئة، وهي نسبة وفيات كانت تعتبر “مقبولة” ضمن المعايير البحرية آنذاك.
- سبتمبر 1846: حوصرت السفن في الجليد السميك قبالة جزيرة الملك ويليام. والمفارقة القاتلة أن الجليد لم يذب في الصيف التالي كما هو معتاد مناخياً.
- يونيو 1847: وفاة قائد الحملة السير جون فرانكلين، وتنتقل القيادة للكابتن فرانسيس كروزير.
- أبريل 1848 (نقطة اللاعودة): بعد 19 شهراً من الحصار الجليدي القاسي، ومع نفاذ الصبر وتفاقم الأمراض (الاسقربوط والتسمم بالرصاص)، قرر كروزير التخلي عن السفن والسير جنوباً تجاه نهر “باك”، في مسيرة موت محتومة.
سقوط الحضارة: ظاهرة أكل لحم البشر
تُعد حملة فرانكلين دراسة حالة فريدة ومروعة في “علم النفس الاجتماعي في الأزمات”.
تشير الأدلة الأثرية وتوزيع الجثث إلى انهيار تدريجي ولكن تام في الانضباط العسكري الصارم والهرمية الاجتماعية.
في البداية، رفض المجتمع الفيكتوري (بقيادة الليدي فرانكلين وتشارلز ديكنز) تقارير المستكشف “جون راي” التي نقلها عن الإنويت حول وجود “أكل لحم بشر” بين رجال البعثة، واعتبروا ذلك إهانة لا تغتفر للرجل الأبيض ولكن العلم كان له رأي آخر.
في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، كشفت تحليلات العظام الدقيقة عن علامات قطع (Cut marks) متوافقة تماماً مع نزع اللحم بأدوات حادة، وعظام مكسورة عمداً لاستخراج النخاع المغذي.
هذا يشير بوضوح إلى “أكل لحم بشر من أجل البقاء” (Survival Cannibalism)، وهي مرحلة متقدمة من اليأس تسقط فيها كل المحرمات الاجتماعية والدينية أمام غريزة البقاء.
الثورة العلمية (2014 – 2024): كشف المستور
تحول البحث عن فرانكلين من مجرد عمليات تنقيب تقليدية إلى عملية تكنولوجية معقدة تديرها وكالة “باركس كندا” (Parks Canada)، وأسفرت عن نتائج مذهلة:
- الاكتشاف بالسونار: تم العثور على حطام Erebus في 2014 وحطام Terror في 2016؛ كانت سفينة Terror في حالة حفظ مذهلة، وكأنها “كبسولة زمنية”، حيث الألواح الزجاجية سليمة والأبواب مغلقة، مما يرجح نظرية أن طاقماً صغيراً قد عاد للسفينة وحاول إبحارها مرة أخرى في محاولة أخيرة للنجاة قبل أن تغرق نهائياً.
- التحليل الجيني (DNA) – إنجاز 2024: في خرق علمي كبير، أعلن باحثون من جامعة واترلو وجامعة ليكهيد في سبتمبر 2024 عن تحديد هوية رفات قائد رفيع المستوى من خلال مطابقة الحمض النووي مع سليل حي, تم تأكيد أن العظام التي عثر عليها سابقاً وتظهر عليها علامات “أكل لحم البشر” تعود للكابتن جيمس فيتزجيمس (قائد سفينة إريبوس),هذا الاكتشاف يحمل دلالة مرعبة: إذا كان الضباط الكبار قد تعرضوا للأكل بعد موتهم، فهذا يعني أن الانهيار كان شاملاً ولم يستثنِ أحداً مهما كانت رتبته.
آخر ما توصل إليه العلم (تحديثات 2024-2025)
شهد ملف رحلة فرانكلين تطورات درامية في الآونة الأخيرة، تجاوزت مجرد العثور على السفن:
- تحديد هوية القادة: الإعلان الرسمي في سبتمبر 2024 عن هوية الكابتن “جيمس فيتزجيمس” من خلال بقايا عظمية فكك نظرية أن الضباط كانوا معزولين عن ممارسات أكل لحم البشر, التحليل أثبت أن جسده تعرض للتقطيع بعد الوفاة، مما يضعنا أمام صورة قاتمة لليأس الذي وصل إليه الطاقم.
- الغوص داخل الكبائن: الروبوتات المائية (ROV) التي أرسلتها وكالة “باركس كندا” تمكنت من الدخول إلى كابينة القبطان في سفينة “تيرور”, الصور أظهرت خرائط وأدوات ملاحية لا تزال في أماكنها، وهناك أمل كبير في العثور على “سجلات السفينة” (Logbooks) داخل الأدراج المغلقة، والتي إذا تمت معالجتها قد تكشف لنا الكلمات الأخيرة التي كتبها الطاقم.
- إعادة الاعتبار للإنويت: يتم الآن دمج “المعرفة الشفهية للإنويت” (Inuit Qaujimajatuqangit) بشكل رسمي في الأبحاث الأكاديمية، كاعتراف بأن رواياتهم التي كُذبت في القرن التاسع عشر كانت هي الحقيقة المطلقة طوال الوقت.
