
سجينة المنجل والقفل: لغز (زوسيا).. مصاصة الدماء التي استعادت وجهها بعد 350 عاماً
بروتوكولات “الدفن الدفاعي”: تحقيق استقصائي في قضية “زوسيا” ولغز مقبرة (بيين) البولندية
مقدمة: أنثروبولوجيا الخوف
في ثنايا التاريخ الأوروبي المظلم، لم يكن الموت هو النهاية، بل كان أحياناً بداية لمرحلة جديدة من الرعب.
خلال القرن السابع عشر، اجتاحت شرق أوروبا موجة من الهستيريا الجماعية تتعلق بـ “العائدين من الموت” أو ما يُعرف في الفلكلور السلافي بـ “الستريغوي” (Strigoi) أو “الفامبير” (Vampire).
لم تكن هذه مجرد حكايات جدات، بل كانت معتقدات راسخة أدت إلى ممارسات دفن معقدة ووحشية تُعرف اصطلاحاً بـ “الدفن المانع للشر” (Apotropaic burial).
في هذا التحقيق، نسلط الضوء على واحدة من أندر الحالات الموثقة أثرياً، والتي عُرفت إعلامياً باسم “مصاصة دماء بيين”، ونستعرض النتائج العلمية الحاسمة التي صدرت عامي 2024 و2025 والتي أعادت تشكيل فهمنا لهذه الظاهرة.
الجذور: مقبرة المنبوذين في “بيين”
تقع قرية “بيين” (Pień) بالقرب من مدينة بيدغوشتش البولندية وفي عام 2022، بدأ فريق بحثي بقيادة البروفيسور داريوش بولينسكي (Dariusz Poliński) من جامعة “نيكولاس كوبرنيكوس” في تورون، أعمال التنقيب في موقع غير مسجل في الخرائط الكنسية الرسمية.
تشير الطبقات الأرضية واللقى الأثرية إلى أن هذا الموقع كان مخصصاً لدفن “المنبوذين اجتماعياً” أو أولئك الذين خشيتهم الكنيسة والمجتمع.
لم يكن هؤلاء مجرد فقراء، بل كانوا أشخاصاً توفوا في ظروف غامضة أو حملوا صفات جسدية اعتُبرت علامات شيطانية.
تفاصيل القضية: القبر رقم 75
الحدث الأبرز في هذا الاكتشاف كان العثور على رفات امرأة شابة (تتراوح بين 18 و20 عاماً)، أطلق عليها الباحثون اسم “زوسيا” (Zosia) وتميز هذا القبر بعنصرين فريدين يندر اجتماعهما بتلك الدقة في الاكتشافات الأثرية:
- المنجل الحديدي (The Iron Sickle): وُضع نصل منجل حاد بشكل عرضي مباشر فوق عنق الجثة،وفقاً لتحليل البروفيسور بولينسكي، لم يكن الهدف قطع الرأس أثناء الدفن، بل كان “فخاً ميكانيكياً”.
الوضعية صممت بعناية فائقة بحيث إذا انتفخ الجسد أو تحرك (في حال العودة للحياة حسب المعتقد الشعبي)، فإن الحركة لأعلى ستؤدي لقطع الرأس ذاتياً بواسطة نصل المنجل، مما يضمن “الموت الثاني” والنهائي للكائن العائد.
- القفل المثلث (Padlock): عُثر على قفل حديدي ثقيل مغلق بإحكام على إصبع القدم الكبير للقدم اليسرى. يرمز هذا الإجراء في الميثولوجيا السلافية إلى “إغلاق المسار”، أي منع الروح من العودة لمطاردة الأحياء وتثبيتها في الأرض.
على الرغم من هذه الإجراءات الوحشية، كشف الفحص المجهري لبقايا الملابس عن مفاجأة مدوية: كانت “زوسيا” ترتدي غطاء رأس (بونيه) منسوجاً من الحرير الفاخر ومطرزاً بخيوط من الذهب والفضة.
هذا التناقض الصارخ بين “الدفن كوحش” و”الملابس الأرستقراطية” هو ما جعل هذه القضية نادرة جداً ومحيرة للعلماء.
التحقيقات العلمية والطبية: لماذا خافوا منها؟
أخضعت الرفات لتحليلات أنثروبولوجية وطب شرعي دقيقة، أشارت النتائج الأولية إلى أن عظام القص (Sternum) بها تشوهات قد تشير إلى مرض جسدي مزمن كان يسبب لها ألماً شديداً في الصدر، وربما إغماءات متكررة أو نوبات تشبه الصرع.
في القرن السابع عشر، كانت بولندا تعاني من حروب (مثل الطوفان السويدي) وأوبئة، وكان أي شخص يظهر عليه الشحوب، الهزال، أو نوبات عصبية غير مفسرة، يُتهم فوراً بأنه “مصاص دماء” يمتص طاقة من حوله للبقاء على قيد الحياة، ولذلك وجب اتخاذ تدابير وقائية ضده.
تحليل 2025: الحقيقة خلف القناع
الدراسات التي تزامنت مع الكشف عن الوجه في 2025، والتي نشرت ملخصاتها في دوريات أثرية، ترجح نظرية جديدة: “زوسيا” لم تكن مجرد مريضة، بل ربما عانت من صدمة نفسية أو عصبية جعلتها تتصرف بغرابة قبل موتها.
كما أن تحليل نظائر السترونتيوم (Isotopes) في أسنانها أكد أنها كانت من سكان المنطقة المحليين ولكن من طبقة مرفهة، مما ينفي كونها غريبة، ويعزز فكرة أن “الرعب” جاء من داخل المجتمع نفسه تجاه أحد أفراده.
العلماء اكتشفوا أيضاً بالقرب منها هيكلاً لطفل “مدفوناً ووجهه لأسفل” (وهي طريقة أخرى لمنع العودة)، مما يشير إلى أن المقبرة كانت مخصصة لاحتواء “وباء خوارق” مزعوم ضرب تلك المنطقة تحديداً، وكانت زوسيا ضحيته الأشهر.
كواليس وتطورات حصرية
تحديثات 2024-2025: الوجه العائد
في تطور مذهل للعلم الجنائي التاريخي، قام خبير إعادة بناء الوجوه السويدي أوسكار نيلسون (Oscar Nilsson) بإعادة تكوين وجه “زوسيا” بدقة متناهية.
باستخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D) وبيانات الحمض النووي (DNA) وتحليل سُمك العظام، تم الكشف عن وجه شابة ذات ملامح ناعمة، وعيون زرقاء، وشعر أشقر، وأسنان بارزة قليلاً.
هذا الكشف نسف فكرة “الوحش” وأكد المأساة الإنسانية؛ حيث أثبتت الدراسات المرافقة للكشف أن الفتاة كانت تعاني من أورام عظمية تسببت لها في نوبات إغماء وصداع شديد، مما جعل المجتمع الجاهل آنذاك يفسر مرضها على أنه مس شيطاني.
المصدر: Wampirzyca Zosia
