
انهيار العقيدة البيولوجية: رصد “قرش نائم” في مياه أنتاركتيكا المتجمدة يقلب موازين البيئة البحرية
مقدمة: تحدي الحدود الحرارية للكائنات الغضروفية
في سابقة علمية أذهلت علماء الأحياء البحرية، تم توثيق وجود سمكة قرش، يُرجح أنها من نوع القرش النائم الجنوبي (Southern Sleeper Shark)، تتبختر في مياه شبه متجمدة قبالة شبه الجزيرة القطبية الجنوبية.
هذا الاكتشاف، الذي حققه فريق من مركز Minderoo-UWA Deep Sea Research Centre، لا يمثل مجرد مشاهدة نادرة، بل يتحدى النموذج الفسيولوجي التقليدي الذي طالما استبعد وجود أسماك القرش في مياه القارة القطبية الجنوبية (Antarctica).
تُعد الأسماك الغضروفية (Chondrichthyes) نادرة للغاية في المياه القطبية شديدة البرودة، حيث يُعتقد أن درجات الحرارة المنخفضة تعيق قدرتها على تنظيم الأسمولية (Osmoregulation) وتؤدي إلى فشل في الوظائف العضلية.
تفاصيل الرصد: بيانات هيدروغرافية من الأعماق
تم الرصد قبالة جزر شيتلاند الجنوبية (South Shetland Islands)، وهي منطقة تقع بالكامل جنوب خط العرض 60 جنوباً، مما يضعها ضمن النطاق الجغرافي والسياسي لأنتاركتيكا. وفقاً للبيانات المتاحة:
- العمق: حوالي 490 متراً.
- درجة الحرارة المحيطة: 1.27 درجة مئوية (بالكاد فوق نقطة التجمد للمياه المالحة).
- الكائن المرصود: عينة ضخمة من فصيلة Somniosidae، تتميز بحركة بطيئة للغاية وجسم أسطواني كثيف.
أكد البروفيسور آلان جيميسون (Alan Jamieson)، قائد البعثة، أن المشهد كان “غير متوقع على الإطلاق”، نظراً لأن الفرضية السائدة تفيد بأن القروش تفتقر إلى التكيفات الأيضية اللازمة للبقاء في مثل هذه البيئة الحرارية القاسية لفترات طويلة.
التحليل الفسيولوجي: كيف نجا القرش في “الجحيم البارد”؟
لفهم غرابة هذا الحدث، يجب النظر في التحديات البيوكيميائية التي تواجهها القروش في المياه القطبية:
1. معضلة الشلل المغنيسيومي (Magnesium Palsy)
تعاني معظم القروش من انخفاض كفاءة الانقباض العضلي في درجات الحرارة المنخفضة. تعتمد القروش على البيئة لتنظيم حرارة أجسامها (Ectothermic)، وفي المياه المتجمدة، يتسبب انخفاض الحرارة في تقليل معدل إطلاق الكالسيوم من الشبكة الساركوبلازمية، مما يبطئ الاستجابة العضلية إلى حد التوقف التام، وهي ظاهرة تُعرف بيولوجياً بـ “تأثير البرودة المخدر”.
2. التكيفات الأيضية لفصيلة Somniosidae
ينتمي القرش المرصود، على الأرجح Somniosus antarcticus، إلى عائلة القروش النائمة، وهي كائنات قاعية (Benthopelagic). تشير النظريات العلمية إلى أنها طورت آليات فريدة للبقاء:
- تراكيز عالية من أكسيد ثلاثي ميثيل الأمين (TMAO): يعمل هذا المركب كـ “مانع تجمد” طبيعي ومثبت للبروتينات، مما يحمي الإنزيمات الحيوية من التفكك تحت ضغط البرودة والعمق.
- معدل أيض منخفض للغاية (Low Metabolic Rate): تتحرك هذه القروش ببطء شديد لتقليل استهلاك الطاقة، مما يسمح لها بالبقاء في بيئات شحيحة الغذاء وشديدة البرودة دون استنزاف مخزونها الحراري الضئيل.
التداعيات الإيكولوجية: مؤشر مناخي أم فجوة معرفية؟
يثير هذا الاكتشاف جدلاً واسعاً حول ما إذا كان يمثل توسعاً للنطاق الجغرافي (Range Expansion) ناتجاً عن التغير المناخي الأنثروبوجيني وارتفاع درجات حرارة المحيط المتجمد الجنوبي، أم أنه يكشف ببساطة عن تحيز العينات (Sampling Bias) التاريخي، حيث لم تكن التكنولوجيا السابقة قادرة على استكشاف هذه الأعماق بدقة.
وجود مفترس علوي (Apex Predator) مثل القرش النائم في هذه المنظومة البيئية قد يؤدي إلى تأثيرات تعاقبية (Trophic Cascades)، مما يغير ديناميكيات الافتراس المؤثرة على تجمعات الأسماك القطبية واللافقاريات التي تطورت في غياب ضغط افتراسي من القروش.
الخاتمة: إعادة رسم خريطة التنوع البيولوجي القطبي
إن توثيق وجود Somniosus antarcticus في قلب المياه القطبية يفرض على المجتمع العلمي إعادة تقييم النماذج البيوجغرافية للمحيطات.
لم تعد أنتاركتيكا “منطقة محرمة” على القروش كما كان يُعتقد، بل قد تكون ملاذاً بارداً لأنواع متخصصة استطاعت كسر حاجز التجميد البيولوجي عبر ملايين السنين من التطور الصامت.
