new clues lost tomb alexander great alexandria excavations
أدلة جديدة تكشف موقع مقبرة الإسكندر الأكبر المفقودة: تحليل أثري لنتائج تنقيبات الإسكندرية

أدلة جديدة تكشف موقع مقبرة الإسكندر الأكبر المفقودة: تحليل أثري لنتائج تنقيبات الإسكندرية

مقدمة: لغز “السوما” والبحث عن الخلود

تظل مقبرة الإسكندر الأكبر، المعروفة تاريخياً بـ “السوما” (Soma) أو “السيما” (Sema)، الكأس المقدسة لعلم الآثار الكلاسيكي.

فمنذ وفاة الفاتح المقدوني في بابل عام 323 قبل الميلاد، ونقل جثمانه المحنط في رحلة ملحمية انتهت به في الإسكندرية، تحول موقعه الأخير إلى مركز للحج الإمبراطوري ومن ثم إلى لغز جيولوجي وتاريخي.

اليوم، ومن خلال تنقيبات منهجية في قلب الحي الملكي القديم (Basileia)، تقدم عالمة الآثار اليونانية كاليبوبي ليمنيوس-باباكوستا أدلة مادية – لا مجرد فرضيات نصية – تعيد رسم الخريطة الطبوغرافية للإسكندرية البطلمية، مشيرة إلى أننا قد نكون أقرب من أي وقت مضى لكشف أعظم أسرار العصور القديمة.

1. عظمة الحضارة وتطورها: الحي الملكي والتخطيط الهيبودامي

تتجلى عبقرية الإسكندرية القديمة في تخطيطها الشبكي الذي وضعه المهندس دينوقراطيس، حيث شكل الحي الملكي (Basileia) النواة السياسية والدينية للمدينة.

لم يكن هذا الحي مجرد تجمع للقصور، بل كان مجمعاً معمارياً ضخماً يضم المكتبة الكبرى، والموسيون، ومقبرة الملوك البطالمة التي احتضنت جثمان الإسكندر كرمز للشرعية السياسية لخليفته بطليموس الأول.

تشير الدلائل الأثرية المكتشفة حديثاً في منطقة حدائق الشلالات إلى أن هذا الموقع كان يزخر بترف معماري يدمج بين الطراز الهيلينستي والتقاليد المصرية القديمة.

الأعمدة الرخامية والتيجان الكورنثية المكتشفة تشي بوجود مبانٍ عامة ضخمة، مما يؤكد فرضية سترابو بأن “السوما” كانت جزءاً لا يتجزأ من هذا النسيج العمراني المعقد.

إن العثور على طبقات أثرية (Stratigraphy) تعود للعصر البطلمي المبكر أسفل الطبقات الرومانية يؤكد استمرارية الأهمية المركزية لهذا الموقع عبر القرون.

2. أحداث تاريخية مفصلية: من اختطاف الجثمان إلى الكارثة الجيولوجية

لفهم سياق الاكتشاف، يجب استحضار المسار التاريخي المعقد للجثمان.

بعد وفاة الإسكندر، اعترض بطليموس الأول الموكب الجنائزي المتجه إلى مقدونيا ونقله إلى ممفيس، قبل أن يستقر نهائياً في الإسكندرية.

تحول الضريح إلى مزار سياسي؛ فقد زاره يوليوس قيصر، وتوجّه أغسطس بالتاج الذهبي، بل وقيل إن كاليغولا انتزع درع الإسكندر ليرتديه.

لكن الحدث الأبرز الذي طمس معالم هذا التاريخ هو الكوارث الطبيعية.

فالإسكندرية تعرضت لسلسلة من الزلازل المدمرة، أبرزها زلزال وتسونامي عام 365 ميلادية، الذي أدى إلى غرق أجزاء من الحي الملكي وتغيير طوبوغرافيا المدينة بشكل جذري.

تشير الطبقات الرسوبية المكتشفة في الحفريات الحالية إلى حدوث دمار شامل وانهيارات أرضية، وهو ما يفسر اختفاء المقبرة تحت أمتار من الركام والترسبات البحرية والنيلية، مما جعل مهمة تحديد موقعها أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من التاريخ الجيولوجي المتراكب.

3. قصص من قلب التاريخ: تمثال الرخام والمثابرة العلمية

في خضم التنقيبات المضنية التي قادتها باباكوستا وفريقها لأكثر من عقدين، برزت لحظات تجاوزت البحث الأكاديمي لتلامس الوجدان التاريخي.

فبعد سنوات من الحفر في ظروف صعبة، بما في ذلك ارتفاع منسوب المياه الجوفية الذي يهدد الآثار، تم الكشف عن تمثال رخامي فريد يعود للعصر الهيلينستي.

هذا التمثال، الذي يحمل الملامح الأيقونية للإسكندر (انحناءة الرقبة والشعر المعروف بـ “anastole”)، لم يكن مجرد قطعة فنية، بل “رسالة” من الماضي تؤكد هوية الموقع.

وفي واقعة أخرى، كشفت الحفريات عن يد رخامية بيضاء نقيّة ظهرت في اللحظات الأخيرة قبل انتهاء موسم التنقيب، وكأنها إشارة للبقاء. هذه اللقى، بالإضافة إلى الكشف عن طريق روماني قديم وأساسات ضخمة لمبنى عام، نقلت البحث من دائرة التكهنات إلى الأدلة الملموسة، مثبتة أن الفريق ينقب فعلياً داخل حدود الحي الملكي المفقود، حيث يُفترض وجود الضريح.

4. الإرث الذي تركته لنا: ما بعد الاكتشاف

إن الأهمية العلمية لهذه الاكتشافات تتجاوز مجرد العثور على قبر.

إنها تقدم لنا مقطعاً عرضياً (Cross-section) لتطور مدينة الإسكندرية حيث أن الأساسات المكتشفة تساعد علماء الآثار ومهندسي العمارة القديمة على إعادة بناء المخطط الأصلي للمدينة بدقة غير مسبوقة.

كما أن تحليل التربة واللقى الفخارية يوفر بيانات دقيقة عن الحياة اليومية والاقتصادية في العصر البطلمي.

إن اكتشاف باباكوستا يعيد إحياء الإرث الهيلينستي لمصر، ويؤكد أن الإسكندرية لا تزال تخفي تحت شوارعها الحديثة وصخبها المعاصر أسراراً قادرة على إعادة كتابة تاريخ البحر المتوسط.

البحث عن مقبرة الإسكندر ليس مجرد بحث عن رفات محارب، بل هو استعادة لذاكرة حضارة كانت يوماً مركز العالم، ودليل حي على أن الآثار ليست صامتة، بل تنتظر من يملك الصبر والمعرفة لفك شفرتها.

تحليل معمق في شريعة حمورابي: ثماني حقائق تعيد تشكيل فهمنا للعدالة القديمة

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE