
تشريح العزلة: الأبعاد الجنائية والنفسية لتجربة “ساسونو! دينبا شونين” (1998-1999)
تُعد قضية توموكي هاميتسو، المعروف إعلامياً بـ “ناسوبي“Nasubi، واحدة من أكثر السجلات توثيقاً لانهيار النفس البشرية تحت وطأة العزلة القسرية ونظام المكافأة العشوائية.
ما بدأ كفقرة في برنامج تلفزيوني ياباني (Susunu! Denpa Shonen)، تحول إلى “بانتوبتيكون” (سجن المراقبة الشاملة) حديث، كاشفاً عن الجانب المظلم لصناعة الترفيه وغياب المعايير الأخلاقية في التسعينيات.
1. البروفايل الجنائي والنفسي للأطراف المتورطة
- الضحية (توموكي هاميتسو – “ناسوبي”):
- العمر وقت الحادث: 23 عاماً.
- السمات الشخصية: شخصية انقيادية (Suggestible)، رغبة قوية في الشهرة، مرونة نفسية عالية تحولت لاحقاً إلى خضوع مرضي.
- الدور: فأر تجارب بشري في بيئة مغلقة (Skinner Box Environment).
- الجاني/المهندس (توشيو توتشيا):
- المنصب: منتج تلفزيوني في شبكة Nippon TV.
- التحليل النفسي: يظهر سمات النرجسية والسادية المبطنة (Machiavellianism). كان يلقب بـ “سيد التلفزيون القاسي”. اعترف لاحقاً بأنه أراد صناعة “وثائقي عن اليأس البشري” مغلفاً بالكوميديا.
2. التسلسل الزمني الدقيق للأحداث (Chronology of Abuse)
تمتد التجربة من يناير 1998 وحتى مارس 1999، ويمكن تقسيمها إلى مراحل تقنية:
- المرحلة الأولى: التجريد (يناير 1998)
تم استدراج الضحية تحت ذريعة “اختبار حظ”. تم نقله إلى شقة استوديو في طوكيو، وتجريده من الملابس والمقتنيات الشخصية. تم إيهامه بأن البث لن يتم إلا بعد انتهاء التجربة، بينما كان البث حياً وأسبوعياً. - المرحلة الثانية: التكييف الشرطي (فبراير – يوليو 1998)
- آلية البقاء: الاعتماد الكلي على الفوز بمسابقات المجلات (Sweepstakes).
- المعدل الإحصائي: كان ناسوبي يكتب ما بين 500 إلى 700 بطاقة بريدية يومياً.
- التغير الغذائي: انخفاض حاد في الوزن بسبب الاعتماد على أغذية غير متوازنة (جيلي، أرز نيء، طعام كلاب). أظهرت السجلات الطبية لاحقاً علامات سوء تغذية حاد.
- المرحلة الثالثة: العزل الذهني والهلوسة (أغسطس – ديسمبر 1998)
بدأ ناسوبي في إجراء محادثات مطولة مع الكائنات غير الحية (دمى). تقارير المراقبة (التي لم تُنشر وقتها) أشارت إلى نوبات من الضحك الهيستيري والبكاء المفاجئ، وهو ما يُعرف بـ “ذهان العزلة” (Isolation Psychosis). - المرحلة الرابعة: الخدعة الكبرى (يناير 1999)
بعد تحقيق الهدف (مليون ين)، تم تخديره ونقله إلى كوريا الجنوبية، وإجباره على إعادة التجربة في ظروف أصعب، مما أدى إلى تحطيم أي أمل متبقٍ لديه في الحرية، وتكريس حالة “العجز المتعلم” (Learned Helplessness).
3. التحليل التقني لبيئة التجربة (The Environment)
- المكان: غرفة بمساحة لا تتجاوز 10 أمتار مربعة.
- المراقبة: كاميرات مخفية تعمل على مدار 24 ساعة. لا يوجد تواصل بصري مع أي بشري (حتى طاقم التسليم كان يضع الطعام ويهرب).
- الأدوات: أقلام، مجلات، بطاقات بريدية.
- السجلات الجنائية: احتفظ ناسوبي بـ “يوميات” كان يظن أنها خاصة، لكن المنتج كان يقوم بنشرها ككتاب حقق مبيعات خيالية (800 ألف نسخة) دون علم الضحية، مما يمثل انتهاكاً صارخاً للخصوصية واستغلالاً تجارياً غير قانوني بمقاييس اليوم.
4. الجوانب المظلمة في علم النفس السلوكي
ما حدث لناسوبي هو تطبيق حرفي (ومرعب) لنظريات B.F. Skinner حول الاشتراط الإجرائي:
1. المكافأة المتغيرة (Variable Ratio Schedule): لم يكن ناسوبي يعرف متى سيفوز، مما جعله يدمن عملية كتابة الرسائل (مثل القمار).
2. تجريد الإنسانية (Dehumanization): من خلال إبقائه عارياً، تم تجريده من هويته الاجتماعية، مما سهل عليه قبول طعام الحيوانات كغذاء مناسب له.
3. تأثير المراقب (The Observer Effect): الملايين كانوا يشاهدونه، وشعورهم بالمتعة (Schadenfreude) منح شرعية لاستمرار التعذيب.
5. الخاتمة: سقوط الجدران
انتهت التجربة بسقوط جدران الغرفة الوهمية في بث مباشر أمام جمهور حقيقي.
رد فعل ناسوبي لم يكن الفرح، بل الذهول الجامود (Catatonic Stupor) حيث لم يستطع ارتداء الملابس لمدة عام كامل لأنه شعر بأنها “تخنقه”، وظل يعاني من صعوبات في التواصل اللفظي لفترة طويلة.
هذه القضية تظل وصمة عار في تاريخ الإعلام الياباني، ودليلاً حياً على ما يمكن أن يفعله الإنسان بأخيه الإنسان من أجل “التقييمات” (Ratings).
