
تحليل متعمق: حمية البحر المتوسط وخفض مخاطر السكتة الدماغية (الإقفارية والنزفية) في ضوء أحدث الدراسات السريرية
في تطور نوعي لفهمنا للعلاقة بين التغذية والفيزيولوجيا المرضية للأوعية الدموية الدماغية، نشرت دورية Neurology Open Access التابعة للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب (AAN) نتائج دراسة طولية موسعة في فبراير 2026، قدمت أدلة إحصائية قوية حول التأثير الوقائي لحمية البحر المتوسط (Mediterranean Diet) ضد جميع أنواع السكتات الدماغية.
ما يميز هذه الدراسة ليس فقط حجم العينة الضخم الذي شمل أكثر من 106,000 مشاركة، بل التمايز الدقيق الذي أحدثته النتائج بين السكتة الدماغية الإقفارية (Ischemic Stroke) والسكتة الدماغية النزفية (Hemorrhagic Stroke)، حيث أظهرت البيانات ولأول مرة انخفاضًا ملحوظًا وغير مسبوق في خطر النوع النزفي، وهو مجال كان يفتقر سابقًا للأدلة الوبائية القوية.
تحليل البيانات الوبائية: ما وراء الأرقام العامة
استندت الدراسة إلى تحليل بيانات المشاركات في دراسة كاليفورنيا للمعلمين (California Teachers Study) مع فترة متابعة متوسطها 21 عامًا.
وبإجراء تحليلات الانحدار متعدد المتغيرات (Multivariable Cox Regression) لضبط عوامل الخطر التقليدية مثل مؤشر كتلة الجسم (BMI)، والتدخين، وفرط ضغط الدم، أظهرت النتائج انخفاضًا في الخطر النسبي (Relative Risk) للإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 18% لدى المشاركات في الربع الأعلى (Top Quartile) من الالتزام بالحمية مقارنة بالربع الأدنى.
التمايز الفرعي للمخاطر (Subtype-Specific Risk Reduction)
- السكتة الإقفارية: انخفاض الخطر بنسبة 16%. وتُعزى هذه النتيجة إلى الآليات المعروفة للحمية في تحسين ملف الدهون (Lipid Profile) وتقليل تكون اللويحات التصلبية (Atherosclerotic Plaques).
- السكتة النزفية: انخفاض الخطر بنسبة 25%. تُعد هذه النتيجة “تغييرًا في قواعد اللعبة” (Game Changer) سريريًا، نظرًا لأن السكتة النزفية ترتبط عادة بضعف بنية الأوعية الدموية الدقيقة (Microvascular Integrity) وارتفاع ضغط الدم غير المنضبط، مما يشير إلى أن مكونات الحمية قد تلعب دورًا مباشرًا في تعزيز استقرار البطانة الغشائية (Endothelial Stability).
الآليات البيوكيميائية والفسيولوجية المقترحة
لفهم هذه النتائج من منظور متقدم، يجب النظر إلى التداخلات الجزيئة لمكونات حمية البحر المتوسط:
1. تحسين وظيفة البطانة الغشائية (Endothelial Function)
يُعتقد أن البوليفينولات (Polyphenols) الموجودة بكثرة في زيت الزيتون البكر الممتاز (EVOO) والمكسرات تعمل على تعزيز التعبير الجيني لإنزيم Endothelial Nitric Oxide Synthase (eNOS)، مما يزيد من إنتاج أكسيد النيتريك (NO) ويحسن من التوسع الوعائي المعتمد على البطانة، وبالتالي تقليل الضغط الهيدروليكي على جدران الشرايين الدماغية الدقيقة.
2. تقليل الإجهاد التأكسدي والالتهاب الجهازي
تتميز الحمية باحتوائها على نسبة عالية من مضادات الأكسدة التي تحارب الجذور الحرة (ROS). انخفاض مؤشرات الالتهاب مثل CRP و IL-6 يساهم في حماية الحاجز الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier) من التلف، مما قد يفسر الانخفاض الكبير في خطر النزيف الدماغي الناتج عن تمزق الأوعية الدقيقة.
3. تعديل ملف الأحماض الدهنية
التركيز على الأحماض الدهنية أحادية اللاتشبع (MUFAs) من زيت الزيتون وأحماض أوميغا-3 (Omega-3 PUFAs) من الأسماك يساهم في تقليل تراكم الصفيحات الدموية وتحسين سيولة الدم دون الوصول إلى حد النزيف المرضي، وهو توازن دقيق وحرج في الوقاية الأولية.
التطبيقات السريرية وتوصيات الممارسة
بناءً على هذه المعطيات، يجب على الممارسين الصحيين الانتقال من التوصيات الغذائية العامة إلى وصفات غذائية دقيقة (Prescriptive Nutrition) كجزء من استراتيجية الوقاية الأولية والثانوية:
- التركيز على المصادر النباتية للدهون: استبدال الدهون المشبعة بزيت الزيتون والمكسرات لتقليل تصلب الشرايين (Arterial Stiffness).
- بروتوكولات الوقاية من السكتة النزفية: بالنسبة للمرضى الذين لديهم عوامل خطر للنزيف الدماغي (مثل اعتلال الأوعية النشواني – Amyloid Angiopathy)، قد تكون هذه الحمية تدخلاً غير دوائي فعال لتعزيز سلامة الأوعية.
- التكامل مع العلاج الدوائي: تعد الحمية مكملاً ضرورياً للعلاجات الخافضة للضغط والشحوم، وليست بديلاً عنها، لكنها قد تحسن من استجابة المريض وتقلل من الحاجة لزيادة الجرعات.
