
بروتوكول الموت الصامت: إعادة قراءة في مأساة مرتفعات خمار دابان (1993)
دراسة تحليلية في ضوء البيانات الجيوفيزيائية والطبية الحديثة
1. مقدمة: اللغز الجغرافي والزماني
تُعد منطقة سيبيريا، وتحديداً سلسلة جبال “خمار دابان” (Khamar-Daban) الواقعة في جمهورية بورياتيا الروسية، واحدة من أكثر المناطق غموضاً وجمالاً في آن واحد.
وبينما استحوذت حادثة “ممر ديازلوف” (1959) على الاهتمام العالمي لعقود، بقيت حادثة أخرى، أكثر دموية وغرابة، طي النسيان النسبي.
إنها مأساة “مجموعة كوروفينا” التي وقعت في أغسطس 1993.
الفارق الجوهري هنا هو وجود “ناجية وحيدة”، مما يجعل التفاصيل المتوفرة أكثر دقة، وبالتالي أكثر رعباً من الناحية العلمية. هذا المقال يحاول تفكيك خيوط الحادثة استناداً إلى أحدث المعطيات التي ظهرت حتى عام 2025.
2. التسلسل الزمني للأحداث: رحلة اللاعودة
في صيف عام 1993، قادت “لودميلا كوروفينا” (Lyudmila Korovina)، وهي متسلقة محترفة (Master of Sports)، مجموعة من ستة طلاب في رحلة استكشافية من الدرجة الثالثة (مستوى متوسط الصعوبة).
كانت المجموعة مدربة جيداً، والمسار مخططاً بعناية للوصول إلى قمة “ريترانسلياتور”.
- 2 أغسطس: انطلاق الرحلة في أجواء صيفية مشمسة.
- 4 أغسطس: تغير مناخي مفاجئ. جبهة هوائية باردة جلبت أمطاراً غزيرة وثلوجاً رطبة. اتخذت القائدة قراراً مثيراً للجدل بالتخييم في منطقة مكشوفة (فوق خط الأشجار) على ارتفاع 2300 متر، بدلاً من الهبوط 400 متر فقط للاحتماء بالغابة.
- 5 أغسطس (الساعة 10:00 – 11:00 صباحاً): بدء الكارثة. أثناء تحضير الفطور وحزم الأمتعة، سقط الطالب “ألكسندر كريسين” مغشياً عليه، وبدأت الدماء تتدفق من عينيه وأذنيه مع خروج رغوة كثيفة من فمه. توفي خلال دقائق.
ما تلا ذلك كان “انهياراً نفس-فسيولوجياً” جماعياً (Mass Psychophysiological Collapse).
وفقاً لشهادة الناجية “فالنتينا أوتوشينكو”، بدأ باقي أفراد المجموعة بالتصرف بجنون: تمزيق الملابس، عض الأطراف، ضرب الرؤوس بالصخور، ثم الوفاة السريعة بنفس الأعراض النزفية.
نجت فالنتينا بعد أن هربت بحقيبة نومها إلى الغابة، لتعود في اليوم التالي وتجد رفاقها جثثاً هامدة.
3. التحليل الجنائي والتشريح الطبي (بين التعتيم والحقيقة)
التقرير الرسمي الصادر في التسعينيات عزا الوفاة إلى “انخفاض حرارة الجسم” (Hypothermia) الناتج عن البلل والبرد. ولكن، عند إعادة فحص المعطيات بعين فاحصة في العقد الأخير، تظهر تناقضات صارخة:
- الأعراض النزفية: انخفاض الحرارة يسبب النعاس والرجفة، لكنه لا يسبب نزيفاً من العينين والأذنين (Hemolacria / Otorrhagia) ولا يسبب خروج رغوة دموية من الفم بهذه السرعة.
- السلوك العدواني والجنوني: يُعرف عن انخفاض الحرارة أنه يسبب “التعري المتناقض” (Paradoxical Undressing) حيث يشعر المصاب بحرارة وهمية فيخلع ملابسه، لكنه لا يفسر “عض النفس” أو الهستيريا العنيفة التي وصفتها فالنتينا.
4. الخاتمة: لغز مستمر
تظل حادثة خمار دابان تذكيراً قاسياً بمدى هشاشة الإنسان أمام قوى الطبيعة – أو ربما أمام أخطائه الصناعية.
سواء كانت الموجات القاتلة أو السموم المنسية، فإن ما حدث في 5 أغسطس 1993 ليس مجرد حادثة تخييم، بل هو مسرح جريمة بيئية أو فيزيائية متقنة، نجا منها شاهد واحد ليروي تفاصيل الجحيم.
وحتى مع التطورات التحليلية في 2025، تبقى الحقيقة الكاملة مدفونة تحت ثلوج سيبيريا، في انتظار من يجرؤ على النبش مرة أخرى.
لغز الـ 129 جثة.. القصة الكاملة والمرعبة لرحلة فرانكلين المفقودة وسر سفن الأشباح
المصدر: أرشيف التحقيقات الجنائية لجمهورية بورياتيا – ودراسات دورية الأرصاد الجوية الحيوية الدولية
