how memories are formed stored retrieved
كيف تتشكل الذكريات ويتم استرجاعها؟ دليلك الشامل لعمل الذاكرة

كيف تتشكل الذكريات ويتم استرجاعها؟

المقدمة

هل تساءلت يوماً كيف ستكون حياتك إذا لم تتمكن من التذكر؟

تتشكل الذاكرة في الدماغ عبر ثلاث خطوات رئيسية: التشفير (Encoding)، التخزين (Storage)، والاسترجاع (Retrieval). ويمكن أن تكون الذكريات إما ذكريات قصيرة الأمد أو ذكريات طويلة الأمد.

تُخزن المعلومات المهمة في الدماغ من خلال تغيرات فيزيائية وكيميائية، حيث يعكس تقوية أو إضعاف الروابط بين الخلايا العصبية (Neurons) عملية تكوين الذكريات الجديدة.

تتشكل هذه الذكريات في البداية في منطقة الحصين (Hippocampus)، ثم تُنقل لاحقاً إلى المناطق القشرية (Cortical regions) في الدماغ ليتم تخزينها على المدى الطويل.

في هذا المقال التفصيلي، سنغوص في أعماق الدماغ البشري لنفهم كيف تتشكل الذكريات، أين تُخزن، وكيف نسترجعها عند الحاجة.

المرحلة الأولى: تشفير الذاكرة (Memory Encoding)

بمجرد أن نتلقى بيانات معينة أو نلاحظ حدثاً ما، يتم تشفير هذه المعلومات فوراً في الذاكرة قصيرة الأمد (Short-term Memory).

تمتلك الذاكرة قصيرة الأمد سعة محدودة للغاية؛ إذ يمكنها الاحتفاظ بحوالي سبعة عناصر فقط لفترة لا تتجاوز 20 إلى 30 ثانية في المرة الواحدة.

وبمجرد معالجة هذه المعلومات، يمكن أن يحدث أحد أمرين:

  • إما أن تُفقد المعلومات وتُنسى تماماً.
  • أو أن تُنقل وتتحول إلى ذاكرة طويلة الأمد (Long-term Memory) لضمان الاحتفاظ بها.

أين تُخزن الذكريات في الدماغ؟

لفهم مكان تخزين الذكريات بشكل دقيق، قام العلماء بدراسة حالة شهيرة لمريض خضع لعملية جراحية تم فيها استئصال منطقة الحصين التي تقع في الفص الصدغي للدماغ.

أشارت هذه الحالة بوضوح إلى أن منطقة الحصين والمناطق المحيطة بها تلعب دوراً أساسياً في تكوين الذكريات الجديدة.

ومع ذلك، نظراً لأن المريض كان لا يزال قادراً على تذكر الأحداث القديمة التي سبقت الجراحة، فقد استنتج العلماء أن الذكريات – على الرغم من تشكلها الأولي في الحصين – تُنقل في النهاية إلى مناطق أخرى في الدماغ لتخزينها على المدى الطويل.

وكشفت الأبحاث اللاحقة أن هذه الذكريات تنتقل إلى المناطق القشرية (Cortical regions)، حيث يتم تخزينها لفترات ممتدة، وهي عملية معقدة قد تستغرق عدة أيام.

بالإضافة إلى ذلك، اكتشف العلماء لاحقاً أن منطقة اللوزة الدماغية (Amygdala) تقوم بدمج الذكريات مع المشاعر، مما يؤدي إلى تقويتها وترسيخها بقوة في عقولنا.

ومن هنا، خلص العلماء إلى أن التفاعل الوثيق بين ثلاث مناطق دماغية رئيسية – وهي الحصين، القشرة الدماغية، واللوزة الدماغية – يعد أمراً حاسماً في تحديد مدى استمرارية وبقاء الذكريات.

الأساس الجزيئي لتقوية الذاكرة

كيف يتم بناء الذاكرة فعلياً على المستوى الخلوي؟ للإجابة عن هذا السؤال، كشفت دراسة علمية نُشرت في مجلة Neuron المرموقة عن تفاصيل مذهلة حول هذه الآلية.

حدد الباحثون ما يُعرف بـ “الحلقة المفرغة” (Feedback loop)، حيث يتم توجيه بعض جزيئات البروتينات المسؤولة عن بناء الذاكرة إلى الجين الذي تم تصنيعها منه في الأساس.

تقوم هذه الجزيئات بإعادة تنشيط الجين، مما يبدأ دورة أخرى من إنتاج البروتين، تليها دورات متعددة أخرى تبدأ نتيجة لهذا التكرار المستمر.

بعد ذلك، تتراكم البروتينات المنتجة في “نقاط ساخنة” معينة عند التشابك العصبي (Synapse) – وهو نقطة الاتصال المحورية بين خليتين عصبيتين – وتعمل على ترسيخ الذاكرة.

في هذه المرحلة الدقيقة، تُعتبر الذاكرة قد “ثُبتت” أو “خُزنت” بشكل نهائي.

استرجاع الذاكرة (Memory Retrieval)

إن عملية استرجاع الذاكرة تتضمن ببساطة الوصول إلى المعلومات التي تم تخزينها مسبقاً.

ومن المثير للاهتمام أن دماغنا يستخدم دوائر عصبية مختلفة لعمليتي تكوين الذكريات واسترجاعها.

في الماضي، افترض العلماء أن الدائرة العصبية ذاتها هي التي يتم تنشيطها خلال كلتا العمليتين.

ومع ذلك، كشفت الأبحاث الحديثة أنه أثناء عملية الاستدعاء (Recall)، يتخذ الدماغ مساراً مختلفاً أو “طريقاً التفافياً” بعيداً عن الدائرة المستخدمة في التكوين للوصول إلى الذكريات المخزنة بنجاح.

علاوة على ذلك، تختلف كل من الذاكرة قصيرة الأمد والذاكرة طويلة الأمد في عمليات الاسترجاع الخاصة بهما:

  • الذاكرة قصيرة الأمد: تعتمد بشكل أساسي على التسلسل الزمني وتتابع الأحداث.
  • الذاكرة طويلة الأمد: تعتمد غالباً على الروابط والارتباطات (Associations) المعقدة التي يشكلها الدماغ بمرور الوقت.

الطبيعة الهشة للذكريات وعملية النسيان

قبل أن تُخزن الذكريات بشكل دائم في القشرة الدماغية، يجب أن تمر بعملية حيوية تُعرف باسم الدمج أو التعزيز (Consolidation).

تتطلب الذكريات قصيرة الأمد تقوية واستقراراً كبيراً قبل الانتقال إلى مرحلة التخزين طويل الأمد.

وبمجرد دمجها، يتم تخزين الذاكرة بأمان وبشكل دائم على المدى الطويل.

ولكن، خلال الفترة الفاصلة بين التشفير والتخزين، تكون الذكريات هشة للغاية وعرضة للاضطرابات والتدخلات الخارجية. هذه الاضطرابات قد تكون:

  • اضطرابات دوائية (Pharmacological): ناتجة عن تأثير بعض الأدوية والعقاقير.
  • اضطرابات سلوكية (Behavioral): تتعلق بنمط الحياة والسلوك.
  • اضطرابات جزيئية (Molecular): تحدث على المستوى الخلوي والجيني.

يمكن أن تؤدي هذه الاضطرابات إلى ضعف في الذاكرة أو تكوين ذكريات غير مكتملة، مما يعيق عملية استرجاع الذاكرة لاحقاً ويؤثر سلباً على الاحتفاظ بالمعلومات على المدى الطويل.

خاتمة

إن فهمنا لآلية عمل الذاكرة يبرز مدى تعقيد وإعجاز الدماغ البشري.

من التقاط لحظة عابرة وتشفيرها، مروراً بتثبيتها في نقاط التشابك العصبي، وصولاً إلى استرجاعها عبر مسارات معقدة؛ تعد الذاكرة الأداة العظيمة التي تشكل هويتنا وخبراتنا.

لضمان الاحتفاظ بذاكرة قوية وتجنب النسيان، يُنصح دائماً بتوفير بيئة صحية وتقليل المؤثرات السلبية للسماح لدماغك بإتمام عملية دمج الذكريات بنجاح.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE