optimized image 1771284992316
متلازمة هافانا: أشباح الوحدة 29155 وحرب الموجات الصامتة

حروب الجيل الخامس والهجمات الصوتية: إعادة فتح ملف “متلازمة هافانا” في ضوء الأدلة القضائية والاستخباراتية

المقدمة: ظاهرة تتجاوز التشخيص الطبي
تُعد “الحوادث الصحية غير الطبيعية” (AHIs)، المعروفة إعلامياً باسم “متلازمة هافانا” Havana Syndrome، واحدة من أكثر الألغاز الجيوسياسية والطبية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.

ما بدأ كحالات فردية لدبلوماسيين أمريكيين وكنديين في العاصمة الكوبية عام 2016، تحول إلى ظاهرة عالمية طالت مئات المسؤولين الاستخباراتيين والدبلوماسيين في قارات متعددة.

وبينما سعت الرواية الرسمية الأمريكية طويلاً لتبني فرضية “العوامل البيئية” أو “الاضطرابات النفسية المنشأ”، حملت سنوات 2024 و2025 تطورات قضائية وتسريبات استقصائية نسفت السردية التقليدية، معيدةً توجيه أصابع الاتهام نحو برنامج تسليح سري للغاية يُدار من موسكو.

الجذور التاريخية والتقنية: من “إشارة موسكو” إلى “تأثير فراي”
لفهم هذه النظرية، يجب العودة إلى الحرب الباردة. بين عامي 1953 و1976، تعرضت السفارة الأمريكية في موسكو لقصف بموجات ميكروويف منخفضة المستوى فيما عُرف بـ “إشارة موسكو“.
النظريات الحديثة حول متلازمة هافانا تستند إلى ما يُعرف بـ “تأثير فراي” (Frey Effect)، وهو ظاهرة اكتشفها العالم “آلان فراي” في الستينيات، حيث يمكن لموجات الميكروويف النبضية أن تُحدث تأثيراً سمعياً داخل جمجمة الإنسان دون وجود مصدر صوت خارجي.
تشير الفرضية الاستقصائية إلى أن جهة ما طورت هذه التقنية لتصبح “سلاح طاقة موجه” (Directed Energy Weapon) محمول، قادر على إحداث تلف في الأنسجة العصبية الدقيقة وفقاعات تجويفية في سوائل الأذن الداخلية، مما يسبب الدوار المزمن، الغثيان، وفقدان الذاكرة.

التحقيقات المعمقة: الوحدة 29155 تحت المجهر
شهد الربع الثاني من عام 2024 تحولاً جذرياً في مسار القضية.

فقد نشرت مجموعة “ذا إنسايدر” (The Insider) الاستقصائية، بالتعاون مع برنامج “60 دقيقة” (60 Minutes) الأمريكي ومجلة “دير شبيجل” (Der Spiegel) الألمانية، تحقيقاً استغرق عاماً كاملاً، قدم أدلة مادية تربط بين الهجمات ووحدة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) رقم 29155.

  • الأدلة الجغرافية-الزمنية: كشف التحقيق عن تطابق مذهل بين حركة ضباط هذه الوحدة وأماكن وقوع الإصابات.
    • في عام 2014 (قبل عامين من حالات هافانا العلنية)، تواجد عملاء الوحدة في فرانكفورت بالتزامن مع إصابة موظفين في القنصلية الأمريكية هناك.
    • في عام 2021، في تبليسي (جورجيا)، تواجد ضباط روس بالتزامن مع هجوم استهدف زوجة ملحق قضائي بوزارة العدل الأمريكية.
  • الدليل المالي: تم الكشف عن وثيقة محاسبية تعود لعام 2019، تُظهر منح مكافأة للضابط “إيفان تيرينتيف” (أحد قادة الوحدة) لعمله على “القدرات المحتملة للأسلحة الصوتية غير الفتاكة”.

التطورات القضائية والطبية المفاجئة (2024-2025)
في خضم هذا الصراع الاستخباراتي، اشتعلت معركة قانونية وعلمية داخل الولايات المتحدة.

  1. صراع التقارير الطبية (مارس 2024 – 2025):
    أصدرت المعاهد الوطنية للصحة (NIH) دراستين في مارس 2024، خلصتا إلى عدم وجود “أدلة سريرية” على تلف الدماغ لدى الضحايا مقارنة بمجموعة ضابطة، وعزت الأعراض لعوامل نفسية وبيئية.
    هذا التقرير قوبل بعاصفة من الرفض في الأوساط الطبية والقضائية في وقت لاحق من 2024 وبداية 2025. فقد طعن أطباء وعلماء أعصاب بارزون في منهجية الدراسة، مشيرين إلى أنها أجريت بعد سنوات من الإصابة مما يجعل اكتشاف التلف المجهري مستحيلاً بالرنين المغناطيسي التقليدي. ظهرت دراسات بديلة استخدمت “تصوير الانتشار الموتر” (DTI) وأثبتت وجود شذوذ في المادة البيضاء في أدمغة الضحايا لا يمكن تفسيره بالتوهم المرضي.
  2. المسار القضائي وتشريعات التعويض (قانون هافانا):
    شهد عام 2025 موجة جديدة من الدعاوى القضائية تحت مظلة قانون حرية المعلومات (FOIA). يقود المحامي المتخصص في الأمن القومي “مارك زيد” حراكاً قانونياً لإجبار وكالات الاستخبارات على كشف التقارير المصنفة “سرية للغاية” والتي يُعتقد أنها تحتوي على اعترافات داخلية بأن روسيا هي الفاعل.
    الجديد في الأمر هو استناد المحامين إلى “تقرير المخابرات لعام 2024” المسرب جزئياً، والذي يناقض السردية العلنية، مما دفع القضاء الفيدرالي لإعادة النظر في استحقاقات التعويض المالي بموجب “قانون هافانا” (HAVANA Act) الذي أقره الكونغرس، حيث تم توسيع دائرة المستفيدين لتشمل عائلات الضحايا الذين عانوا من أعراض ثانوية.

التحليل الجيوسياسي: لماذا الصمت؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه المقال الاستقصائي هو: إذا كانت الولايات المتحدة تملك أدلة على تورط روسيا، فلماذا تنكر؟
التحليلات تشير إلى معضلة الردع. الاعتراف الرسمي بأن روسيا تستهدف دبلوماسيين أمريكيين بأسلحة طاقة موجهة يُعد “عمل حرب” (Act of War). في ظل التوتر القائم بسبب الحرب في أوكرانيا، قد تسعى إدارة البيت الأبيض لتجنب تصعيد قد يجر العالم إلى مواجهة نووية، مفضلة التعامل مع الملف كقضية “طبية غامضة” بدلاً من كونها “هجوماً عسكرياً”.

خاتمة: اللغز المستمر
مع دخولنا عام 2026، لم يعد السؤال “هل متلازمة هافانا حقيقية؟”، بل أصبح “ما هو نوع السلاح المستخدم ومن يملك الزر؟”.

التطورات القضائية الأخيرة أزاحت الستار عن واقع مخيف: التكنولوجيا العصبية أصبحت ساحة معركة، والحدود بين المرض والهجوم العسكري تلاشت.

تظل الوحدة 29155 المتهم الأول، ويظل الضحايا عالقين في صراع بيروقراطي لإثبات أن جراحهم غير المرئية هي ندوب حرب باردة جديدة لم يعلن عنها أحد.


المصدر: The Insider / 60 Minutes / Der Spiegel Investigation: Unraveling Havana Syndrome (April 2024)

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE