
تحليل معمق في شريعة حمورابي: ثماني حقائق تعيد تشكيل فهمنا للعدالة القديمة
مقدمة: بابل في ذروة مجدها القانوني
في قلب بلاد الرافدين، وتحديداً خلال الفترة الممتدة ما بين 1792 و1750 قبل الميلاد، شهدت البشرية لحظة فارقة في تطور الفكر القانوني.
لم تكن بابل مجرد مركز قوة عسكري تحت حكم الملك السادس للسلالة البابلية الأولى، حمورابي، بل كانت بوتقة انصهرت فيها التقاليد السومرية والأكدية لتنتج نموذجاً إدارياً وقضائياً غير مسبوق.
إن “شريعة حمورابي” ليست مجرد قائمة عقوبات بدائية كما يصورها التبسيط التاريخي، بل هي وثيقة دستورية معقدة تعكس بنية مجتمعية طبقية صارمة، ورؤية ثيوقراطية للحكم تدمج بين السلطة الزمنية والتفويض الإلهي.
القسم الأول: عظمة الحضارة وتطورها – ما وراء “العين بالعين”
قد يظن القارئ غير المتخصص أن حمورابي هو مبتكر فكرة تدوين القوانين، لكن التحليل الأركيولوجي الدقيق يدحض هذه الفرضية.
تشير السجلات المسمارية إلى أن حمورابي كان مصلحاً ومقنناً أكثر منه مبتكراً من العدم.
1. ليست الشريعة الأولى في التاريخ
على الرغم من شهرتها الطاغية، سبقت شريعة حمورابي مدونات قانونية أخرى بقرون.
أبرزها “شريعة أور نمو” (Code of Ur-Nammu) التي تعود للقرن الحادي والعشرين قبل الميلاد، و”شريعة لبت عشتار” (Lipit-Ishtar).
الفارق الجوهري يكمن في الفلسفة العقابية؛ فبينما مالت القوانين السومرية الأقدم إلى التعويض المادي (Geldstrafe)، رسخت شريعة حمورابي مبدأ “القصاص” (Lex Talionis) بصرامة ووحشية أكبر، مما يعكس تحولاً في البنية الاجتماعية والسياسية نحو المركزية الشديدة.
2. تشريعات عمالية سبقت عصرها
من المثير للدهشة أن نجد في هذا النص القديم بذوراً لما نسميه اليوم “الحد الأدنى للأجور“.
لم تترك الشريعة أجور العمال للعرض والطلب العشوائي، بل حددت بدقة استحقاقات فئات مختلفة من العمال، من سائقي الثيران إلى الأطباء، وحتى البحارة، مما يعكس اقتصاداً موجهاً بدقة (Command Economy).
القسم الثاني: أحداث تاريخية مفصلية – رحلة المسلة عبر الزمن
إن التاريخ المادي للمسلة (The Stele) التي نُقشت عليها القوانين يحمل في طياته دراما جيوسياسية لا تقل أهمية عن القوانين نفسها.
3. اكتشاف في غير موطنه
عندما اكتشف عالم الآثار الفرنسي جاك دي مورغان المسلة الشهيرة عام 1901، لم يجدها في بابل (العراق حالياً)، بل في سوسة (شوشان) في إيران.
التفسير التاريخي لذلك هو أن الملك العيلامي شوتروك ناخونتي الأول غزا بابل في القرن الثاني عشر قبل الميلاد ونهب المسلة كغنيمة حرب، محاولاً محو جزء من النص لكتابة اسمه، وهو ما يفسر الكشط الموجود في أسفل النصب.
4. صمود النص أمام الاندثار
صُنعت المسلة من حجر الديوريت الأسود (Diorite)، وهو حجر بركاني شديد الصلابة وصعب النحت.
كان اختيار هذه المادة مقصوداً لضمان خلود القوانين وعدم قابليتها للتغيير، وهو ما نجح فعلياً حيث نجت المسلة لأكثر من 3700 عام، متجاوزة بذلك انهيار الإمبراطورية البابلية نفسها.
القسم الثالث: قصص من قلب التاريخ – العدالة الطبقية والمرارة
عند الغوص في تفاصيل المواد القانونية الـ 282، نجد نظاماً قضائياً معقداً يعتمد بشكل كلي على التراتبية الاجتماعية (Social Stratification).
5. عدالة غير متساوية
لم يكن القانون أعمى في بابل. العقوبات كانت تختلف جذرياً بناءً على طبقة الجاني والمجني عليه.
المجتمع كان مقسماً إلى ثلاث فئات: “أميلو” (النبلاء)، “موشكينو” (الأحرار من عامة الشعب)، و”أردو” (العبيد).
إذا فقأ نبيل عين نبيل آخر، تطبق قاعدة “العين بالعين“-أما إذا فقأ نبيل عين عامي، فيكتفي بدفع غرامة (مينا من الفضة)-هذا التمييز الطبقي كان مقنناً ومبرراً دينياً.
6. قرينة البراءة والمحنة النهرية
رغم قسوتها، أرست الشريعة مبدأ قانونياً حديثاً: “المتهم بريء حتى تثبت إدانته“.
تقع عبء الإثبات على المدعي وفي الحالات التي يعجز فيها القضاء عن الفصل (مثل تهم السحر)، كان يتم اللجوء إلى “المحنة” (Ordeal)، حيث يُلقى المتهم في نهر الفرات.
النجاة تعني البراءة الإلهية، والغرق يعني الإدانة. هذا الإجراء يعكس تداخل القانون الوضعي مع المعتقد الغيبي.
القسم الرابع: الإرث الذي تركته لنا – صدى في الأروقة الحديثة
لا يمكن حصر إرث حمورابي في المتحف حيث أن تأثير هذه القوانين امتد عبر الزمان والمكان، ليلامس الأسس التي قامت عليها الشرائع اللاحقة.
7. حماية الضعفاء: شعار سياسي أم واقع؟
نصت مقدمة الشريعة صراحة على هدف القوانين: “لئلا يظلم القوي الضعيف“.
تضمنت القوانين حماية للأرامل والأيتام، وتنظيماً دقيقاً لشؤون الأسرة والطلاق والميراث.
ورغم أن التطبيق قد يكون متفاوتاً، إلا أن تدوين هذا المبدأ كمسؤولية للملك أمام الآلهة (شمش ومردوك) أسس لمفهوم “الراعي العادل” في الفكر السياسي الشرقي القديم.
8. استمرار الأثر القانوني
على الرغم من سقوط بابل، استمرت هذه القوانين كمرجع تدريبي للكتبة لقرون طويلة (أكثر من 1500 عام).
النسخ التي عُثر عليها في مكتبة آشوربانيبال في نينوى تؤكد أن شريعة حمورابي تحولت إلى “كلاسيكية قانونية” تُدرس وتُحفظ، مما مهد الطريق لتطور الأنظمة القانونية في الشرق الأدنى القديم، وربما أثرت بشكل غير مباشر على القوانين العبرانية والرومانية لاحقاً.
