
هل يمكن للبشر حقاً القيام بمهام متعددة في نفس الوقت؟
في عصرنا الرقمي المتسارع، أصبح تعدد المهام (Multitasking) يبدو وكأنه مهارة أساسية للبقاء.
فمن المألوف جداً أن تجد شخصاً يرد على رسائل البريد الإلكتروني، ويستمع إلى بودكاست، ويتناول طعام الغداء في نفس الوقت.
بل إن الكثيرين يتباهون بقدرتهم على التوفيق بين عدة مهام معاً في سيراتهم الذاتية كوسام شرف يدل على الكفاءة العالية.
ولكن، هل توقفت يوماً لتسأل نفسك: هل يمكن للبشر حقاً القيام بمهام متعددة في وقت واحد؟ هل أدمغتنا مصممة فعلياً لمعالجة عدة تدفقات من المعلومات المعقدة في نفس اللحظة، أم أننا نعيش في وهم كبير؟
في هذا المقال الشامل، سنغوص في أعماق علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي لنكشف الحقيقة العلمية وراء أسطورة تعدد المهام، وكيف يتعامل الدماغ البشري مع تدفق البيانات، وما هو الثمن الخفي الذي ندفعه عندما نحاول القيام بكل شيء في وقت واحد.
ما هو أصل مصطلح “تعدد المهام”؟
من المثير للاهتمام أن مصطلح تعدد المهام (Multitasking) لم يُبتكر في الأصل لوصف السلوك البشري، بل ظهر في عالم الحوسبة وعلوم الكمبيوتر في منتصف الستينيات.
كان يُستخدم لوصف قدرة وحدة المعالجة المركزية (CPU) في الحاسوب على أداء عدة عمليات أو تشغيل عدة برامج في وقت واحد.
مع مرور الوقت، استعار البشر هذا المصطلح لوصف محاولاتهم للقيام بمهام متعددة في نفس اللحظة.
ولكن، بينما صُممت أجهزة الكمبيوتر الحديثة بمعالجات متعددة النوى قادرة فعلياً على معالجة مهام متوازية، فإن الدماغ البشري يمتلك “معالجاً مركزياً” واحداً فقط عندما يتعلق الأمر بالانتباه الواعي والتفكير المعقد.
الحقيقة العلمية: تبديل المهام وليس تعدد المهام
الجواب القصير والمباشر لسؤال ما إذا كان بإمكان البشر تعدد المهام هو: لا، لا يمكننا ذلك.
ما نطلق عليه اسم “تعدد المهام” هو في الواقع مصطلح خاطئ علمياً.
ما يقوم به الدماغ البشري يُعرف في علم الأعصاب باسم “تبديل المهام” (Task-Switching).
عندما تعتقد أنك تكتب تقريراً وتستمع إلى محاضرة وتتفقد هاتفك في آن واحد، فإن دماغك لا يقوم بمعالجة هذه الأفعال بشكل متوازٍ.
بدلاً من ذلك، هو يقوم بالانتقال ذهاباً وإياباً بين هذه المهام بسرعة فائقة جداً.
هذه السرعة المذهلة في التبديل تخدع وعينا، وتخلق لدينا وهماً بالاستمرارية والتزامن، تماماً كما تخدعنا الصور الثابتة المتتابعة بسرعة في بكرة الفيلم السينمائي لتبدو وكأنها حركة سلسة ومستمرة.
آلية عمل الدماغ: الوظائف التنفيذية والتحكم
لفهم سبب عجزنا عن أداء مهام معرفية متعددة، يجب أن ننظر إلى جزء محدد من الدماغ يُعرف باسم القشرة الجبهية (Prefrontal Cortex).
هذا الجزء هو المسؤول عن “الوظائف التنفيذية“، والتي تشمل التركيز، واتخاذ القرار، وإدارة الأهداف، وتنسيق السلوك.
عندما نؤدي مهمة تتطلب تركيزاً واعياً، تعمل الوظائف التنفيذية في الدماغ من خلال مرحلتين أساسيتين، كما أوضح الباحثون في علم النفس المعرفي مثل الدكتور ديفيد ماير (David Meyer):
- تبديل الهدف (Goal Shifting): في هذه المرحلة، يتخذ الدماغ قراراً واعياً بالانتقال من مهمة إلى أخرى (مثلاً: “أريد التوقف عن قراءة هذا المقال للرد على رسالة نصية”).
- تفعيل القواعد (Rule Activation): هنا يقوم الدماغ بـ “إيقاف تشغيل” القواعد المعرفية الخاصة بالمهمة الأولى (فهم الكلمات المقروءة)، و “تشغيل” القواعد الخاصة بالمهمة الجديدة (التفكير في الرد المناسب وكتابته).
رغم أن هذه العملية تستغرق أجزاء من الثانية، إلا أنها ليست فورية، وتتطلب طاقة ذهنية كبيرة عندما تتكرر مئات المرات في الساعة الواحدة.
ضريبة التشتت: “تكلفة التبديل” (Switch Cost)
قد يبدو الانتقال السريع بين المهام أمراً غير ضار، لكنه في الواقع يأتي بثمن باهظ يُعرف في الأوساط العلمية باسم تكلفة التبديل (Switch Cost). وكلما زادت تعقيدات المهام التي تحاول التبديل بينها، زادت هذه التكلفة.
تتجلى “تكلفة التبديل” في ثلاثة جوانب رئيسية:
- فقدان الوقت وانخفاض الإنتاجية: أظهرت الدراسات أن تبديل المهام المستمر يمكن أن يقلل من الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40%. الدماغ يحتاج إلى وقت لإعادة ضبط نفسه والعودة إلى نفس مستوى التركيز العميق الذي كان عليه قبل المقاطعة.
- زيادة معدل الأخطاء: عندما يقفز دماغك باستمرار بين سياقات مختلفة، تضعف قدرته على تصفية المعلومات غير الهامة، مما يجعلك أكثر عرضة لارتكاب أخطاء ساذجة، سواء في العمل أو أثناء القيادة.
- الاستنزاف والإرهاق الذهني: الانتقال المستمر بين المهام يستهلك الجلوكوز في الدماغ (مصدر الطاقة الرئيسي) بمعدل أسرع بكثير من التركيز على مهمة واحدة، مما يؤدي إلى ما يُعرف بـ العبء المعرفي (Cognitive Overload) والشعور بالإنهاك الشديد في نهاية اليوم.
الاستثناء الوحيد: المهام التلقائية مقابل المهام الواعية
قد تتساءل الآن: “إذا كان تعدد المهام مستحيلاً، فكيف يمكنني المشي والتحدث مع صديقي في نفس الوقت؟ أو مضغ العلكة أثناء الاستماع إلى الموسيقى؟”
هذا سؤال ممتاز، والسر يكمن في الفرق بين المهام الواعية و المهام التلقائية.
الدماغ البشري قادر على معالجة مهام متعددة فقط إذا كانت إحدى هذه المهام (أو كلها) لا تتطلب تفكيراً واعياً، أي أنها أصبحت “تلقائية” أو متأصلة في الذاكرة الحركية (Muscle Memory).
المشي، على سبيل المثال، هو عملية يتحكم فيها المخيخ وأجزاء أخرى من الدماغ المعنية بالحركة دون الحاجة إلى تدخل كبير من القشرة الجبهية.
لذلك، يمكنك بسهولة طي الملابس أثناء التحدث على الهاتف، لأن طي الملابس لا تتطلب تركيزاً معرفياً معقداً.
ولكن، حاول إجراء عملية حسابية معقدة في ذهنك أثناء كتابة رسالة بريد إلكتروني هامة، وستجد أن إحدى المهمتين (أو كلتيهما) ستفشل حتماً.
بمجرد أن تتطلب مهمتان أو أكثر انتباهاً واعياً، يصل الدماغ إلى عنق الزجاجة ويبدأ في التبديل السريع المتعثر.
الخطر القاتل لتعدد المهام: وهم القيادة الآمنة
أحد أخطر تجليات وهم “تعدد المهام” يظهر بوضوح وراء عجلة القيادة.
يعتقد الكثير من الناس أنهم يستطيعون إرسال الرسائل النصية أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أثناء القيادة دون فقدان السيطرة.
تؤكد أبحاث علم الأعصاب أن القيادة واستخدام الهاتف هما مهمتان تتطلبان انتباهاً بصرياً ومعرفياً مكثفاً.
عندما تنظر إلى هاتفك، فإن دماغك يسحب انتباهه البصري والإدراكي بالكامل من الطريق.
وحتى لو رفعت عينيك بسرعة، فإن دماغك لا يزال يعالج الكلمات التي قرأتها للتو، مما يخلق حالة تسمى “العمى غير الانتباهي” (Inattentional Blindness).
في هذه الحالة، قد تنظر عينك إلى إشارة المرور الحمراء، ولكن دماغك لا يسجلها لأنه مشغول بمعالجة المهمة الأخرى. هذا هو السبب في أن الخبراء يصفون استخدام الهاتف أثناء القيادة بأنه يعادل “القيادة وأنت أعمى“، ويفسر لماذا تتسبب هذه الممارسة في ملايين الحوادث المميتة سنوياً.
كم متراً تقطع السيارة عند النظر للهاتف لمدة ثانية؟
هل هناك أشخاص “خارقون” في تعدد المهام (Supertaskers)؟
بينما يعاني معظمنا من انخفاض ملحوظ في الأداء عند محاولة أداء مهام متعددة، حدد العلماء نسبة ضئيلة جداً من البشر – تُقدر بحوالي 2% فقط – يبدو أنهم يمتلكون قدرة فريدة على التبديل بين المهام دون أن يتأثر أداؤهم سلباً. يُطلق على هؤلاء اسم “الخارقون في تعدد المهام” (Supertaskers).
أظهرت فحوصات الدماغ لهؤلاء الأفراد أن أدمغتهم تستخدم طاقة أقل في مناطق التحكم التنفيذي عند التبديل بين المهام مقارنة بالأشخاص العاديين.
ومع ذلك، فإن احتمال أن تكون أنت واحداً من هؤلاء الـ 2% ضئيل جداً.
المشكلة هي أن الأشخاص الأكثر ميلاً لتعدد المهام في حياتهم اليومية، هم في الغالب الأسوأ أداءً فيها، بحسب ما أثبتته الدراسات النفسية، حيث يدفعهم وهم الثقة المفرطة إلى تقييم قدراتهم بشكل خاطئ.
لماذا يبالغ سريعي الغضب في تقدير قدراتهم
لماذا نشعر بالرضا عند القيام بمهام متعددة رغم ضرره؟
إذا كان تعدد المهام يقلل من إنتاجيتنا ويزيد من أخطائنا، فلماذا نشعر برغبة ملحة في القيام به طوال الوقت؟
الإجابة تكمن في كيمياء الدماغ، وتحديداً هرمون الدوبامين (Dopamine)، وهو الناقل العصبي المرتبط بالمكافأة والسعادة.
في كل مرة ننجز فيها مهمة صغيرة – مثل الرد على رسالة نصية، أو الإعجاب بمنشور، أو التحقق من بريدنا الإلكتروني – يفرز الدماغ جرعة صغيرة من الدوبامين.
تعدد المهام يخلق حلقة تغذية راجعة للإدمان.
نحن نكافئ أدمغتنا باستمرار بجرعات صغيرة من الرضا اللحظي، مما يعطينا شعوراً وهمياً ومخادعاً بأننا ننجز الكثير، بينما نحن في الحقيقة ندور في حلقة مفرغة من التشتت والسطحية دون إنجاز أي عمل عميق ذي قيمة حقيقية.
كيف تتخلص من فخ التشتت وتستعيد تركيزك؟
إذا كنت ترغب في تحسين إنتاجيتك، وحماية صحتك العقلية، وإنجاز أعمالك بجودة أعلى، فإن الحل يكمن في تبني ثقافة المهمة الواحدة (Single-tasking).
إليك بعض الاستراتيجيات العلمية والعملية لتحقيق ذلك:
- تطبيق تقنية بومودورو (Pomodoro Technique): قسّم وقت عملك إلى فترات زمنية مركزة (مثلاً 25 دقيقة من العمل العميق على مهمة واحدة فقط)، يليها استراحة قصيرة (5 دقائق)-هذه الطريقة تحمي الدماغ من الإرهاق وتمنعه من تشتيت الانتباه.
- التخلص من المشتتات الرقمية: قم بإيقاف تشغيل الإشعارات (Notifications) على هاتفك وحاسوبك أثناء فترات العمل الهامة. ضع هاتفك في غرفة أخرى لتجنب الإغراء.
- تجميع المهام المتشابهة (Task Batching): بدلاً من التحقق من بريدك الإلكتروني 50 مرة في اليوم أثناء قيامك بمهام أخرى، خصص أوقاتاً محددة (مرتين أو ثلاث مرات يومياً) للتعامل مع جميع الرسائل دفعة واحدة.
- ممارسة اليقظة الذهنية (Mindfulness): درب عقلك على التواجد في اللحظة الحالية والتركيز على ما تفعله الآن، سواء كان ذلك كتابة تقرير، أو تناول وجبة، أو التحدث مع العائلة.
الخلاصة
في النهاية، قد يكون مصطلح “تعدد المهام” مغرياً وجذاباً في مجتمع مهووس بالسرعة والإنتاجية، لكنه يظل في جوهره خرافة علمية عندما يتعلق الأمر بالقدرات المعرفية للدماغ البشري.
أدمغتنا لم تتطور لتتعامل مع طوفان المعلومات المتزامنة الذي نفرضه عليها اليوم.
إن إدراكنا لحقيقة “تبديل المهام” و “تكلفة التبديل” هو الخطوة الأولى نحو العمل بذكاء أكبر، وليس بجهد أكبر.
في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك تحاول إنجاز خمسة أشياء في وقت واحد، توقف للحظة، خذ نفساً عميقاً، واختر مهمة واحدة فقط لتمنحها انتباهك الكامل.
ستفاجأ بمدى سرعتك وكفاءتك عندما تسمح لدماغك بالعمل بالطريقة التي صُمم بها حقاً.
