scene 1 1
لغز بحيرة الهياكل العظمية (روبكوند): الشذوذ الجيني المتوسطي والموت الصامت في سقف العالم

لغز بحيرة الهياكل العظمية (روبكوند): الشذوذ الجيني المتوسطي والموت الصامت في سقف العالم

مقدمة: مسرح الجريمة الجيولوجي

على ارتفاع شاهق يبلغ 5,029 متراً فوق سطح البحر، في حضن كتلة “تريسول” الجليدية بولاية أوتاراخند الهندية، تقع بحيرة “روبكوند” الجليدية.

هذا المسطح المائي الصغير، الذي لا يتجاوز قطره 40 متراً، يمثل واحداً من أعقد الألغاز الأركيولوجية والجينومية في القرن الحادي والعشرين.

الموقع، المعروف بلقب “بحيرة الهياكل العظمية”، يحتوي على رفات ما بين 300 إلى 800 فرد، محفوظة بشكل استثنائي بفضل المناخ الجليدي الجاف.

لسنوات، ساد الاعتقاد بأن هذه الرفات تعود لحدث كارثي واحد، لكن العلم الحديث كان له رأي آخر، كاشفاً عن تفاصيل لم تدون في أي سجل تاريخي.

الجذور التاريخية والفرضيات الأولية

اكتُشف الموقع رسمياً عام 1942 بواسطة حارس المحمية “هاري كيشان مادوال”.

التفسيرات الأولية تراوحت بين التفسير العسكري (تسلل ياباني فاشل) والتفسير الفلكلوري (غضب الإلهة “ناندا ديفي”). في منتصف القرن العشرين، دعمت الفحوصات المبدئية نظرية “عاصفة البَرَد القاتلة”.

الجماجم أظهرت كسوراً انضغاطية (Compression fractures) ناتجة عن أجسام كروية صلبة هبطت عمودياً، مما يرجح سقوط حبات بَرَد ضخمة بقطر يتجاوز 7 سم في منطقة مكشوفة لا توفر ملجأ.

التحول الجذري: دراسة 2019 والانقسام الزمني

نقطة التحول الكبرى جاءت مع الدراسة الجينية الموسعة التي نشرت في دورية Nature Communications، والتي قادها فريق دولي من “مركز البيولوجيا الخلوية والجزيئية” (CCMB) في حيدر أباد وجامعة هارفارد.

تحليل الحمض النووي (DNA) دحض نظرية الحدث الواحد وكشف عن واقع أكثر تعقيداً: تم تقسيم الرفات إلى ثلاث مجموعات جينية متميزة:

  • المجموعة (A): تمثل النسبة الأكبر، وتعود جينياً لسكان جنوب آسيا، وتاريخ الكربون المشع يضع وفاتهم في القرن التاسع الميلادي (حوالي 800 م).
  • المجموعة (B): وهي محور اللغز المستعصي، تتألف من أفراد (رجال ونساء) يحملون جينات لا تمت بصلة لآسيا، بل تتطابق وراثياً مع سكان “شرق البحر الأبيض المتوسط” (تحديداً جزيرة كريت والبر الرئيسي لليونان)، والمفاجأة كانت في تاريخ وفاتهم: القرن التاسع عشر (حوالي 1800 م).
  • المجموعة (C): فرد واحد يحمل جينات شرق آسيوية.

هذا الاكتشاف خلق فجوة زمنية تقدر بـ 1000 عام بين المجموعتين، وأثبت أن بحيرة روبكوند لم تكن مسرحاً لكارثة واحدة، بل لمآسٍ متعددة عبر التاريخ.

تفاصيل حصرية وتحديثات 2024/2025: المأزق التاريخي

في ضوء المراجعات العلمية والأنثروبولوجية التي جرت في عامي 2024 و 2025، برزت عدة نقاط تجعل من “المجموعة B” لغزاً مستحيلاً:

  • غياب السجل الأرشيفي: الفترة الزمنية (حوالي 1800 م) ليست موغلة في القدم، هي فترة موثقة جيداً في سجلات الإمبراطورية البريطانية، والدولة العثمانية، والسجلات اليونانية، لا يوجد أي سجل لبعثة استكشافية أو دينية بهذا الحجم اختفت في الهيمالايا.
  • تحليل النظائر المستقرة (Isotopic Analysis) الحديث: الدراسات المحدثة لنظائر السترونتيوم والأكسجين في مينا الأسنان، والتي نوقشت في مؤتمرات أركيولوجية مؤخرًا، أكدت أن هؤلاء الأفراد (المجموعة B) لم يكونوا مهاجرين عاشوا في الهند لأجيال، البيانات تشير إلى أنهم قضوا طفولتهم في بيئة ساحلية متوسطية، وأن نظامهم الغذائي كان يعتمد على القمح وزيت الزيتون والمنتجات البحرية، ثم تغير فجأة إلى نظام بري قبل وفاتهم بوقت قصير.
  • فرضية “المجتمع الهجين” المرفوضة: حاول بعض الباحثين اقتراح أنهم قد يكونون من نسل جنود الإسكندر الأكبر (مجتمع “الكلاش” في باكستان)، لكن التحليل الجيني لعام 2024 دحض ذلك؛ فجيناتهم ليست خليطاً قديماً، بل تطابق اليونانيين المعاصرين (Modern Greeks) بدقة، مما يعني أنهم جاؤوا مباشرة من المتوسط في القرن التاسع عشر.

السيناريوهات المطروحة حالياً

تشير أحدث التحليلات الاستقصائية إلى أننا قد نكون أمام سيناريو “بعثة سرية” أو تجارية غير موثقة.

هل كانوا تجاراً يونانيين يعملون ضمن شبكة تجارة عثمانية/بريطانية وضلوا طريقهم؟ أم كانوا مجموعة من الحجاج المسيحيين أو الباحثين عن “روحانيات الشرق” -وهو اتجاه بدأ بالانتشار في القرن التاسع عشر- وقرروا سلك طريق “راج جات” المقدس بالخطأ؟ المثير للريبة هو عدم العثور على مقتنيات تدل على هويتهم بوضوح (لا صلبان، لا عملات يونانية، لا أسلحة نارية).

الموجود فقط هو أدوات جلدية، خناجر حديدية بسيطة، ومظلات خيزران، مما يوحي بأنهم ربما تعرضوا للسرقة قبل وفاتهم، أو أنهم تخلصوا من أحمالهم أثناء صراعهم للبقاء.

الخاتمة: لغز مفتوح

مع التغير المناخي المتسارع في 2025، ينحسر الجليد عن البحيرة كاشفاً المزيد من العظام التي تتعرض للتآكل السريع. “لغز روبكوند” يتحدى المنطق التاريخي: كيف لمجموعة متوسطية كاملة، تضم رجالاً ونساءً أصحاء، أن تسافر آلاف الأميال لتنتهي حياتها في بقعة نائية بالهيمالايا دون أن يلحظ أحد غيابهم أو يوثق رحلتهم؟ يبقى هذا الملف مفتوحاً كشاهد على أن التاريخ البشري يحوي فجوات لا يمكن ملؤها إلا بالعلم، وأحياناً، حتى العلم يقف عاجزاً أمام صمت العظام.


المصدر: Ancient DNA from the skeletons of Roopkund Lake reveals Mediterranean migrants in India (Nature Communications)

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE