
ألفابت تجمع 32 مليار دولار عبر أسواق الدين: قراءة معمقة في استراتيجية تمويل سباق الذكاء الاصطناعي
في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في استراتيجيات تمويل شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech)، أتمت شركة “ألفابت” Alphabet (الشركة الأم لغوغل) واحدة من أضخم عمليات الطرح في أسواق الدين للشركات، حيث جمعت ما يقارب 32 مليار دولار في غضون 24 ساعة فقط.
تأتي هذه الخطوة وسط سباق تسلح تقني غير مسبوق للهيمنة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مما يستدعي إنفاقاً رأسمالياً (Capex) فلكياً قد يصل إلى 185 مليار دولار في عام 2026 وحده.
التشريح المالي للصفقة: تنويع استراتيجي وآجال استحقاق تاريخية
لم يكن الإصدار مجرد عملية اقتراض اعتيادية، بل تميز بهندسة مالية متقنة استهدفت استغلال شهية أسواق الائتمان العالمية. تضمن الإصدار شرائح متعددة العملات والآجال:
- السوق الأمريكية: أصدرت الشركة سندات بقيمة 20 مليار دولار موزعة على سبع شرائح، شهدت طلباً هائلاً تجاوز 100 مليار دولار، مما يعكس الثقة الائتمانية العالية التي تتمتع بها الشركة (تصنيف AA+).
- السندات القرنية (100-Year Bond): في سابقة نادرة لقطاع التكنولوجيا لم تشهدها الأسواق منذ طفرة “الدوت كوم”، أصدرت ألفابت سندات مقومة بالجنيه الإسترليني تستحق بعد 100 عام. هذا الإصدار لا يمثل فقط أداة تمويل، بل إشارة قوية (Signaling) للمستثمرين حول ديمومة النموذج الربحي للشركة لقرن قادم.
- التنويع الجغرافي: شمل الطرح إصدارات بالفرنك السويسري والجنيه الإسترليني، مستفيدة من فروقات أسعار الفائدة (Interest Rate Arbitrage) وتنويع قاعدة المستثمرين لتشمل صناديق التقاعد وشركات التأمين التي تبحث عن أصول طويلة الأجل (Long-duration assets).
اقتصاديات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي: لماذا الدين الآن؟
قد يتساءل المحللون الماليون: لماذا تلجأ شركة تملك سيولة نقدية ضخمة للاستدانة؟ الإجابة تكمن في مبادئ تخصيص رأس المال (Capital Allocation) وكفاءة الهيكل التمويلي:
تواجه “ألفابت”، إلى جانب نظيراتها في نادي “الهايبرسكيلرز” (Hyperscalers) مثل مايكروسوفت وأمازون، ضغوطاً لتمويل مراكز البيانات ومعالجات الذكاء الاصطناعي (مثل Nvidia H100s و Blackwell).
تشير التقديرات إلى أن النفقات الرأسمالية لشركة ألفابت ستقفز من حوالي 91 مليار دولار في 2025 إلى نطاق 175-185 مليار دولار في 2026.
الرافعة المالية مقابل حقوق الملكية
يعد تمويل هذه المشاريع عبر الدين (Debt Financing) أكثر كفاءة ضريبية مقارنة باستخدام الكاش المتوفر الذي قد يكون مخصصاً لعمليات إعادة شراء الأسهم (Share Buybacks) للحفاظ على ربحية السهم (EPS).
علاوة على ذلك، فإن تكلفة الدين الحقيقية بعد خصم الضرائب لا تزال جذابة مقارنة بتكلفة حقوق الملكية (Cost of Equity)، خاصة عند تثبيت أسعار الفائدة لآجال طويلة جداً قبل أي تقلبات محتملة في السياسة النقدية.
سباق التسلح التقني ومخاطر العائد على الاستثمار (ROI)
يضع هذا الإنفاق الهائل المستثمرين أمام معادلة صعبة. من ناحية، يعد الاستثمار في البنية التحتية ضرورة وجودية لعدم التخلف عن ركب الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI). ومن ناحية أخرى، تثار تساؤلات جدية حول ضغط الهوامش الربحية (Margin Compression) وفترة استرداد هذه الاستثمارات.
يشير النجاح الساحق لطرح السندات (Oversubscription) إلى أن أسواق الائتمان لا تزال تراهن بقوة على قدرة شركات التكنولوجيا الكبرى على توليد تدفقات نقدية حرة (FCF) كافية لخدمة هذا الدين، حتى مع تصاعد المخاوف من “فقاعة ذكاء اصطناعي”.
ومع ذلك، فإن إصدار سندات لأجل 100 عام يعد رهاناً جريئاً على أن الذكاء الاصطناعي سيقود موجة إنتاجية عظمى (Super-cycle) تبرر هذه التكاليف الفلكية.
الخلاصة: مرحلة جديدة من النضج المالي
إن لجوء “ألفابت” لجمع 32 مليار دولار دفعة واحدة، وبالأخص عبر أدوات طويلة الأجل، يمثل نقطة تحول.
لقد انتقلت شركات التكنولوجيا من مرحلة النمو المعتمد بالكامل على الأسهم (Equity-funded growth) إلى مرحلة النضج التي تستخدم فيها الرافعة المالية لتمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة، مما يجعلها أقرب في هيكلها المالي لشركات المرافق العامة (Utilities) أو الطاقة، ولكن بربحية قطاع التكنولوجيا.
