optimized image 1771077416097
لغز “الخبز الملعون” بين سموم الطبيعة ومؤامرات الاستخبارات (1951)

ليلة الجنون العظيم: لغز “الخبز الملعون” بين سموم الطبيعة ومؤامرات الاستخبارات (1951)

في السادس عشر من أغسطس عام 1951، تحولت بلدة “بونت سانت إسبريت” (Pont-Saint-Esprit) الواقعة في مقاطعة “غارد” الفرنسية، إلى مسرح لواحدة من أغرب الحوادث الوبائية في التاريخ الحديث.

ما بدأ كحالات متفرقة من الغثيان والدوار، تصاعد خلال ساعات ليصبح حالة من “الذهان الجماعي” الحاد.

أكثر من 250 شخصاً أصيبوا بتسمم غامض، توفي منهم 7 أشخاص، وأُودع 50 آخرون في مصحات عقلية بشكل فوري نتيجة هلاوس بصرية وسمعية عنيفة.

عُرفت الحادثة إعلامياً بـ “Le Pain Maudit” أو “الخبز الملعون“، لكن خلف هذا الاسم الشاعري تكمن تعقيدات علمية وجنائية لم تُفك شفرتها بالكامل حتى يومنا هذا.

الجذور التاريخية والبيئية

لفهم سياق الحادثة، يجب النظر إلى فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث كانت البلاد لا تزال تعاني من آثار الحرب، ونظام الحصص الغذائية كان سارياً، مما جعل الرقابة على جودة الحبوب أقل صرامة.

النظرية الرسمية التي تبنتها السلطات الفرنسية آنذاك، والتي نشرتها المجلة الطبية البريطانية (BMJ) في سبتمبر 1951، عززت فرضية “تسمم الإرغوت” (Ergotism).

فطر Claviceps purpurea يصيب الجاودار (Rye) في المواسم الرطبة، ويفرز قلويدات (Alkaloids) سامة. تاريخياً، عُرف هذا التسمم في العصور الوسطى بـ “نار القديس أنتوني” نظراً للشعور بالحرقة الشديدة في الأطراف.

التفاصيل العلمية: التناقضات السريرية

على الرغم من قبول نظرية الإرغوت رسمياً، إلا أن المجتمع العلمي ظل منقسماً لعقود بسبب التناقضات السريرية (Clinical Inconsistencies):

  • الفسيولوجيا المرضية: ينقسم تسمم الإرغوت إلى نوعين: “الغرغريني” (Gangrenous) الذي يسبب تضييق الأوعية الدموية وموت الأطراف، و”التشنجي” (Convulsive) الذي يسبب نوبات وهلاوس.

ما حدث في “بونت سانت إسبريت” كان خليطاً هجيناً وشديد التركيز من الهلاوس النفسية المعقدة (psychotic hallucinations) التي تشبه تأثير العقاقير المؤثرة على العقل (Psychedelics) أكثر من كونها تسمماً فطرياً تقليدياً.

  • سرعة البدء: ظهرت الأعراض بحدة مفاجئة ومتزامنة، وهو ما يتعارض مع نمط التسمم الغذائي التقليدي الذي يتدرج بتركيز السموم في الجسم.

التحقيقات المعمقة: فرضية الزئبق والـ LSD

في عام 2009، نشر الصحفي “هانك ألباريلي” كتابه A Terrible Mistake، مستنداً إلى وثائق رُفعت عنها السرية من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).

طرح ألباريلي فرضية أن الحادثة كانت تجربة ميدانية لمشروع “MK-NAOMI” التابع لشعبة العمليات الخاصة (SOD) في فورت ديتريك.

الوثائق التي كشف عنها تشير إلى محادثات بين عملاء الـ CIA وعلماء من شركة “Sandoz” السويسرية (مكتشفة عقار LSD).

الفرضية تقول إن الـ CIA كانت تختبر تأثير رش مادة “ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك” (LSD) جواً، أو دسه في الدقيق، لقياس إمكانية استخدامه كسلاح لتعطيل المدن.

ومع ذلك، يجادل علماء السموم بأن الـ LSD مركب غير مستقر حرارياً، ومن الصعب أن ينجو من درجات حرارة أفران الخبز (التي تتجاوز 200 درجة مئوية)، إلا إذا تمت إضافته بعد الخبز، وهو أمر لوجيستي معقد.

في المقابل، برزت نظرية علمية أخرى في العقد الأخير، ترجح التسمم بمركبات الزئبق العضوي (مثل Panogen) التي كانت تُستخدم كمبيدات فطرية للحبوب، التسمم بالزئبق يفسر الأعراض العصبية والجنون، لكنه لا يفسر غياب الأضرار الكلوية الحادة لدى الضحايا.

الخاتمة: لغز مفتوح

تظل قضية “بونت سانت إسبريت” دراسة حالة مرعبة حول هشاشة الأمن الغذائي والحدود الضبابية بين الكوارث الطبيعية والتجارب البشرية. وسواء كانت الحادثة نتيجة عفن فطري تطور بشكل خبيث، أو تجربة عسكرية خرجت عن السيطرة، فإن الأرقام والوثائق تؤكد حقيقة واحدة: العلم يمتلك وجهاً مظلماً، وقرية واحدة في الجنوب الفرنسي دفعت ثمن اكتشاف هذا الوجه غالياً.

 

كواليس وتطورات حصرية

إعادة تقييم السموم الفطرية (Mycotoxins) في ظل التغير المناخي

في عامي 2024 و2025، نشرت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) ومعاهد بحثية فرنسية دراسات جديدة تحذر من عودة ظهور قلويدات الإرغوت بتركيزات غير مسبوقة في الحبوب الأوروبية، نتيجة لارتفاع معدلات الرطوبة والحرارة (وهي ظروف مشابهة لصيف 1951).

استخدم الباحثون بيانات “بونت سانت إسبريت” كمرجع “لأسوأ سيناريو” (Worst-case scenario) لفهم كيف يمكن لتداخل عدة قلويدات فطرية أن ينتج “كوكتيل” ساماً يؤثر على النواقل العصبية (السيروتونين والدوبامين) بشكل يحاكي العقاقير المخلقة.

التحليل الجنائي بأثر رجعي

تشير أوراق بحثية صدرت في 2024 عن دوريات متخصصة في علم السموم التاريخي (Historical Toxicology)، إلى أن التفسير الأكثر منطقية الآن ليس الـ LSD النقي ولا الإرغوت الخام، بل هو مركب وسيط نتج عن المعالجة الكيميائية غير القانونية للحبوب الفاسدة بمواد مبيضة (Bleaching agents) مثل “ثلاثي كلوريد النيتروجين” (Agene)، والذي كان محظوراً ولكنه مستخدم سراً.

هذا التفاعل الكيميائي بين الفطريات والمواد المبيضة قد يكون أنتج مركباً عصبياً فتاكاً غير معروف سابقاً.

دراسات أخرى في 2024 (Forensic Toxicology) أشارت إلى تشابه الأعراض مع مركبات “الزئبق العضوي” (Organic Mercury)، مما يفتح الباب لاحتمال تجربة مبيدات حشرية عسكرية.

عملية ذروة منتصف الليل جزء من مشروع للتحكم بالعقل


المصدر: A Terrible Mistake: The Murder of Frank Olson and the CIA’s Secret Cold War Experiments – H.P. Albarelli Jr.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE