el chichon volcano awakening geological analysis 2026
استيقاظ العملاق النائم: تحليل جيولوجي لنشاط بركان “إل تشيتشون” وشذوذ النظام الحراري المائي

استيقاظ العملاق النائم: تحليل جيولوجي لنشاط بركان “إل تشيتشون” وشذوذ النظام الحراري المائي

بعد أربعة عقود من الصمت النسبي الذي تلا ثورانه الكارثي في عام 1982، عاد بركان إل تشيتشون (El Chichón) في ولاية تشياباس المكسيكية ليحتل واجهة الرصد الجيولوجي العالمي.

البيانات الحديثة الصادرة عن الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك (UNAM) والمركز الوطني للوقاية من الكوارث (CENAPRED) تشير إلى تغيرات ديناميكية مقلقة في النظام البركاني، تتجاوز النشاط المعتاد للخلفية الإشعاعية والحرارية، مما يضع المجتمع العلمي أمام تحدٍ لتفسير طبيعة هذه الاضطرابات: هل هي مجرد نشاط حراري مائي (Hydrothermal Unrest) أم مقدمة لصعود صهاري جديد؟

شذوذ جيوكيميائي في بحيرة الفوهة: مؤشرات التحول الطوري

تُعد بحيرة الفوهة البركانية في “إل تشيتشون” مقياسًا كيميائيًا حساسًا لنشاط النظام الصهاري السفلي.

التغيير الأكثر وضوحًا الذي رصده العلماء مؤخرًا هو التحول اللوني الجذري لمياه البحيرة من اللون الأخضر الزمردي (الذي يعكس هيمنة الطحالب واستقرار الأس الهيدروجيني النسبي) إلى اللون الرمادي العكر.

هذا التحول البصري هو مؤشر مباشر على زيادة تركيزات الكبريتات (Sulfates) والسيليكا الذائبة، الناتجة عن تدفق سوائل حمضية ساخنة من القنوات الجوفية.

الأخطر من ذلك هو رصد تشكل كرات كبريتية مجوفة (Hollow Sulfur Spheres) تطفو على سطح البحيرة.

هذه الظاهرة نادرة الحدوث وتتطلب فيزيائيًا مرور غازات بركانية عبر مسابح من الكبريت المنصهر (Molten Sulfur) في قاع البحيرة، مما يشير إلى أن درجات الحرارة في القاع قد تجاوزت نقطة انصهار الكبريت (حوالي 115 درجة مئوية)، حيث سجلت المجسات الحرارية قراءات تصل إلى 118 درجة مئوية.

ديناميكيات الغازات: نسب الكربون والكبريت

التحليلات الطيفية لانبعاثات الغاز كشفت عن ارتفاع ملحوظ في تراكيز كبريتيد الهيدروجين (H₂S) وثاني أكسيد الكربون (CO₂). في علم البراكين، تُعتبر النسبة بين الكربون والكبريت (C/S Ratio) معيارًا حاسمًا لتمييز مصدر الغازات.

الارتفاع الحالي يشير إلى تفاعل قوي بين المياه الجوفية والصخور الساخنة (Hot Dry Rock)، مما يولد ضغطًا بخاريًا قد يؤدي إلى انفجارات فرياتية (Phreatic Eruptions)، وهي انفجارات بخارية لا تتضمن خروج حمم، لكنها قد تكون مميتة وقادرة على قذف المقذوفات الصخرية.

النشاط الزلزالي الضحل وتفسير الإجهاد التكتوني

بالتوازي مع الشذوذ الكيميائي، سجلت شبكات الرصد الزلزالي أسرابًا من الزلازل الضحلة (Shallow Seismic Swarms) المتمركزة تحت المبنى البركاني مباشرة.

تتميز هذه الهزات بأنها ذات تردد عالٍ (High-frequency)، وهو نمط يرتبط عادةً بتكسر الصخور نتيجة ضغط السوائل (Fluid Pressurization) في النظام الحراري المائي، وليس بالضرورة نتيجة حركة الصهارة اللزجة (Viscous Magma Movement) التي تولد عادةً هزات توافقية طويلة الأمد (Long-period events).

حتى اللحظة، يؤكد خبراء الجيوفيزياء في UNAM، ومنهم الدكتورة باتريشيا خاكومي باز، عدم وجود دليل قاطع على تشوه القشرة الأرضية (Ground Deformation) الذي يسبق عادةً تدفق الصهارة إلى السطح.

هذا يرجح فرضية أن النظام يمر بمرحلة إعادة ضبط حرارية (Thermal Readjustment) وليس حقنًا صهاريًا جديدًا، ولكن التاريخ الدموي للبركان (VEI-5 في 1982) يفرض بقاء مستوى الحذر عند “اللون الأصفر”.

السيناريوهات المحتملة وبروتوكولات المخاطر

يواجه العلماء حاليًا سيناريوهين رئيسيين:

  • السيناريو الأول (الأكثر ترجيحًا): استمرار النشاط الحراري المائي، مما قد يؤدي إلى انفجارات بخارية محلية داخل الفوهة دون تأثير إقليمي واسع، مشابه لما حدث في براكين أخرى مثل “أونتيك” في اليابان.
  • السيناريو الثاني (الأقل احتمالًا حاليًا): تطور النشاط ليفتح ممرات للصهارة العميقة، وهو ما سيظهر عبر تغير في نوعية الزلازل وزيادة مفاجئة في انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂).

إن المراقبة المستمرة باستخدام الاستشعار عن بعد (Remote Sensing) وقياس التداخل الراداري (InSAR) ستكون حاسمة في الأسابيع القادمة لتحديد ما إذا كان “العملاق” يستيقظ بالكامل أم يتقلب في نومه فقط.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE