متلازمة وجه الشيطان: ما الاضطراب النادر الذي يجعل الوجوه تبدو مشوهة؟
تخيل أن تنظر إلى شخص تعرفه جيدًا، فتتعرف عليه دون مشكلة، لكن ملامح وجهه تبدو أمامك مشوهة؛ ربما ترى الفم ممتدًا بشكل غير طبيعي، أو العينين والأنف في أشكال وأحجام مختلفة عما هي عليه في الواقع.
هذه الظاهرة ليست مجرد قصة خيالية.
هناك اضطراب نادر في الإدراك البصري يُعرف باسم Prosopometamorphopsia، ويُختصر إلى PMO، واشتهر إعلاميًا باسم «متلازمة وجه الشيطان» أو Demon Face Syndrome.
لكن الاسم الإعلامي قد يكون مضللًا بعض الشيء؛ فالمصاب لا يرى «شياطين» بالمعنى الحرفي، وإنما يعالج دماغه بعض تفاصيل الوجوه بطريقة مشوهة.
ما هي متلازمة وجه الشيطان؟
Prosopometamorphopsia (PMO) هي حالة نادرة جدًا تؤثر في إدراك الوجوه.
يرى المصاب الوجه الحقيقي أمامه، لكن بعض ملامحه قد تبدو مختلفة عن شكلها الفعلي.
وقد تشمل التشوهات:
تغير حجم بعض ملامح الوجه.
استطالة الفم أو الأنف.
تغير موضع العينين أو أجزاء أخرى.
ظهور أجزاء من الوجه ملتوية أو منتفخة.
تشوه نصف الوجه فقط في بعض الحالات.
تشوه الوجه بالكامل في حالات أخرى.
ولا يرى جميع المصابين التشوهات بالطريقة نفسها؛ فالاختلافات بين الحالات كبيرة.
هل يرى المصاب الناس على هيئة شياطين؟
ليس بالضرورة.
انتشر وصف «وجوه شيطانية» بصورة كبيرة بعد دراسة حالة غير عادية نُشرت في مجلة The Lancet.
كان المريض رجلًا يبلغ من العمر 58 عامًا، واستمرت لديه المشكلة لأكثر من عامين.
كان يرى وجوه الأشخاص بملامح شديدة الاستطالة مع أخاديد واضحة في الجبهة والخدين والذقن، ووصفها بنفسه بأنها تبدو «شيطانية».
لكن اللافت أنه كان لا يزال قادرًا على التعرف على هوية الأشخاص رغم التشوه الذي يراه.
لذلك فإن «متلازمة وجه الشيطان» ليست الاسم الطبي الدقيق للحالة، وإنما وصف إعلامي اشتهر بعد هذه الحالة.
الاسم العلمي هو Prosopometamorphopsia.
حالة سمحت للعلماء برؤية ما يراه المريض
كانت الحالة المنشورة في The Lancet مميزة لسبب آخر.
عندما كان الرجل ينظر مباشرة إلى وجه شخص، كان يراه مشوهًا.
لكن عندما يشاهد صورة للوجه على شاشة أو ورقة، لم تظهر له التشوهات بالطريقة نفسها.
استفاد الباحثون من هذه الخاصية بطريقة ذكية.
عرضوا صورة لوجه على شاشة أمام المريض، وفي الوقت نفسه كان الشخص الحقيقي موجودًا أمامه.
وبمساعدة برنامج لتحرير الصور، عدّل الباحثون ملامح الصورة تدريجيًا بناءً على وصف المريض حتى أصبحت الصورة على الشاشة مشابهة لما يراه عند النظر إلى الشخص الحقيقي.
وبهذه الطريقة تمكن العلماء من إنشاء تصور قريب لما كان المريض يراه.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
رؤية الوجه عملية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.
العين تستقبل الصورة، لكن الدماغ هو المسؤول عن معالجة المعلومات البصرية وتحويلها إلى وجه ندركه ونتعرف عليه.
وتشارك شبكة من مناطق الدماغ في معالجة الوجوه.
تشير الأبحاث حول PMO إلى أن الاضطراب قد يرتبط بخلل أو إصابة في أجزاء مختلفة من هذه الشبكة أو الاتصالات بينها.
ومراجعة علمية لحالات منشورة على مدار نحو قرن وجدت ارتباط بعض أنماط التشوه بمناطق في الفص القذالي وبأجزاء من الجسم الثفني الذي يربط نصفي الدماغ.
لكن لا يوجد حتى الآن تفسير واحد يشرح جميع حالات PMO.
ما أسباب Prosopometamorphopsia؟
نظرًا لندرة الحالة، ما زالت أسبابها غير مفهومة بالكامل.
وقد ظهرت PMO في تقارير طبية مرتبطة بحالات مختلفة، من بينها:
السكتات الدماغية
تم توثيق حالات ظهرت بعد إصابات وعائية في مناطق من الدماغ تشارك في معالجة المعلومات البصرية والوجوه.
الصرع
ارتبطت بعض الحالات بنوبات الصرع أو نشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ.
إصابات أو تغيرات في الدماغ
عُثر لدى بعض المرضى على آفات أو تغيرات في مناطق مختلفة من الدماغ.
أورام الدماغ
تم الإبلاغ عن PMO في بعض الحالات المصاحبة لوجود أورام أو آفات دماغية.
الصداع النصفي
وردت اضطرابات في معالجة الوجوه ضمن بعض الحالات المرتبطة بالصداع النصفي، وإن كانت العلاقة مع PMO تحديدًا أقل شيوعًا.
وفي المقابل، قد تظهر أعراض PMO لدى بعض الأشخاص دون وجود إصابة هيكلية واضحة في تصوير الدماغ.
لذلك لا يمكن تحديد السبب اعتمادًا على الأعراض وحدها.
هل متلازمة وجه الشيطان مرض نفسي؟
ليس من الدقة وصف PMO ببساطة بأنها مرض نفسي أو هلوسة.
فهي في الأساس اضطراب في الإدراك البصري للوجوه، وقد ارتبطت في حالات موثقة بأسباب عصبية وتغيرات في مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة المعلومات البصرية.
وقد يدرك المصاب أن ما يراه غير طبيعي.
وهذه نقطة مهمة لأن بعض الأشخاص الذين يعانون اضطرابات إدراك غير مألوفة قد يُساء تفسير أعراضهم في البداية.
الفرق بين PMO وعمى الوجوه
من السهل الخلط بين Prosopometamorphopsia واضطراب آخر يسمى Prosopagnosia أو عمى الوجوه، لكنهما ليسا الشيء نفسه.
في عمى الوجوه تكون المشكلة الأساسية في التعرف على هوية الوجه.
قد يرى الشخص ملامح الوجه بصورة طبيعية لكنه يجد صعوبة شديدة في معرفة صاحب الوجه.
أما في PMO فالمشكلة الأساسية هي تشوه إدراك شكل الوجه نفسه.
وقد يستطيع المصاب معرفة الشخص الذي ينظر إليه رغم أن ملامحه تبدو له مشوهة.
هل يرى المصاب الأشياء الأخرى مشوهة؟
الأمر يختلف من حالة لأخرى.
لكن إحدى الخصائص المثيرة للاهتمام في بعض حالات PMO هي أن التشوه قد يكون خاصًا بالوجوه.
في حالة الرجل البالغ 58 عامًا التي درسها باحثو Dartmouth، كان يرى وجوه الأشخاص مشوهة، بينما لم يبلغ عن التشوه نفسه عند النظر إلى أشياء مثل المنازل والسيارات.
هذه الانتقائية تساعد الباحثين على فهم كيفية تخصيص الدماغ شبكات معينة لمعالجة الوجوه.
هل كل الوجوه تبدو مشوهة بالطريقة نفسها؟
لا.
PMO ليست تجربة واحدة متطابقة لدى جميع المصابين.
فقد تؤثر التشوهات على الوجه بالكامل أو جزء منه فقط.
وفي بعض الحالات قد يتأثر جانب واحد من الوجوه.
كما يمكن أن تختلف طبيعة التشوه بين:
الاستطالة.
الالتواء.
الانتفاخ.
تغير الحجم.
تغير موضع ملامح الوجه.
اختفاء أو تغير بعض التفاصيل.
ولهذا السبب تعد دراسة كل حالة مهمة لفهم كيفية معالجة الدماغ للوجوه.
ما مدى ندرة هذا الاضطراب؟
PMO حالة نادرة للغاية في الأدبيات الطبية.
مراجعة علمية منشورة عام 2021 تناولت 81 حالة جُمعت من تقارير ودراسات امتدت لنحو قرن.
لكن هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن 81 شخصًا فقط أصيبوا بالحالة في العالم.
فهو يعبر عن الحالات التي تمكن الباحثون من جمعها ضمن المراجعة العلمية وفقًا لمعاييرها.
وقد توجد حالات لم يتم تشخيصها أو نشرها طبيًا.
هل يوجد علاج لمتلازمة وجه الشيطان؟
لا يوجد علاج واحد مخصص لجميع حالات PMO، لأن العلاج يعتمد أساسًا على السبب المحتمل وراء ظهور الأعراض.
إذا ارتبطت الحالة بمشكلة عصبية معينة، يكون تقييم وعلاج السبب الأساسي جزءًا مهمًا من التعامل معها.
كما تختلف مدة الأعراض بدرجة كبيرة؛ فقد تستمر لدى بعض الأشخاص فترة قصيرة، بينما تستمر لدى آخرين لأشهر أو سنوات.
ولهذا فإن ظهور تشوهات جديدة في رؤية الوجوه يحتاج إلى تقييم طبي، وليس إلى محاولة التشخيص الذاتي عبر الإنترنت.
متى يجب استشارة الطبيب؟
إذا بدأ شخص فجأة في رؤية الوجوه أو الأشياء بصورة مشوهة، فمن المهم الحصول على تقييم طبي، خصوصًا إذا ظهرت الأعراض لأول مرة أو صاحبتها أعراض عصبية أخرى.
ويحتاج ظهور اضطراب بصري مفاجئ مع ضعف أو تنميل في أحد جانبي الجسم، صعوبة في الكلام، ارتباك شديد، فقدان للتوازن أو صداع شديد ومفاجئ إلى تقييم طبي عاجل؛ لأن اضطرابات الرؤية المفاجئة قد تكون مرتبطة بحالات عصبية تتطلب سرعة التشخيص.
وجود تشوهات في رؤية الوجوه لا يعني تلقائيًا الإصابة بـPMO، فهناك أسباب مختلفة للاضطرابات البصرية والعصبية.
لماذا تهم هذه الحالة العلماء؟
ندرة Prosopometamorphopsia تجعلها مثيرة للاهتمام بالنسبة لعلم الأعصاب.
فعندما يتعطل جزء محدد من عملية إدراك الوجه بينما تظل قدرات بصرية أخرى سليمة، يحصل العلماء على فرصة لفهم كيفية تقسيم الدماغ لمراحل معالجة الوجوه.
وقد ساعدت دراسة حالات PMO الباحثين على طرح أسئلة حول:
كيفية معالجة نصفي الوجه.
دور نصفي الدماغ في إدراك الوجوه.
الفرق بين رؤية الوجه والتعرف على صاحبه.
الشبكات العصبية المسؤولة عن إدراك شكل الوجه.
ولهذا فإن دراسة اضطراب نادر للغاية قد تساعد في فهم إحدى القدرات التي يستخدمها معظمنا يوميًا دون التفكير فيها: النظر إلى وجه ومعالجته في جزء من الثانية.
أسئلة شائعة
ما الاسم العلمي لمتلازمة وجه الشيطان؟
الاسم العلمي هو Prosopometamorphopsia ويُختصر إلى PMO.
هل تجعل الحالة المصاب يرى وجوهًا شيطانية؟
ليس بالضرورة. المصاب يرى تشوهات في ملامح الوجه، وتختلف طبيعتها من شخص لآخر. اشتهر وصف «الوجه الشيطاني» بعد حالة معينة وصف فيها المريض التشوهات بهذه الطريقة.
هل PMO نوع من الهلوسة؟
تُصنف PMO كاضطراب في الإدراك البصري للوجوه، وليس من الدقة اعتبار جميع حالاتها هلوسة أو اضطرابًا نفسيًا.
هل المصاب يستطيع التعرف على الأشخاص؟
نعم في بعض الحالات. قد يبدو الوجه مشوهًا للمصاب لكنه يظل قادرًا على معرفة هوية الشخص.
هل Prosopometamorphopsia هي نفسها عمى الوجوه؟
لا. عمى الوجوه يؤثر أساسًا في القدرة على التعرف على هوية الأشخاص من وجوههم، بينما PMO تسبب تشوهًا في الطريقة التي تظهر بها ملامح الوجه.
هل يمكن أن تختفي الحالة؟
قد تكون مؤقتة لدى بعض الأشخاص وتستمر لفترات طويلة لدى آخرين، ويعتمد ذلك على الحالة والسبب الأساسي.
الخلاصة
ما يُعرف إعلاميًا باسم «متلازمة وجه الشيطان» هو اضطراب نادر في الإدراك البصري يسمى Prosopometamorphopsia (PMO).
المصاب لا يرى بالضرورة «شياطين»، وإنما قد تظهر له ملامح الوجوه ملتوية أو ممتدة أو منتفخة أو متغيرة في الحجم والموضع.
وتشير الحالات الطبية المنشورة إلى ارتباط PMO بمجموعة متنوعة من الاضطرابات العصبية، بينما لا يظهر سبب هيكلي واضح لدى بعض المرضى.
ورغم ندرة الحالة، فإن أهميتها العلمية كبيرة؛ لأنها توفر للباحثين نافذة غير معتادة لفهم الطريقة المعقدة التي يعالج بها الدماغ البشري الوجوه.

