لغز الأحافير الميكروبية في جبال الأطلس خريطة “نشأة الحياة”

morocco mysterious fossils high atlas chemosynthesis
لغز الأحافير الميكروبية في جبال الأطلس: إعادة رسم خريطة “نشأة الحياة” عبر بيئات التخليق الكيميائي

لغز الأحافير الميكروبية في جبال الأطلس: إعادة رسم خريطة “نشأة الحياة” عبر بيئات التخليق الكيميائي

مقدمة: اكتشاف يزعزع المسلمات الجيولوجية

في كشف علمي يعيد صياغة فهمنا لآليات حفظ الحياة في العصور الجيولوجية السحيقة، برزت جبال الأطلس المغربية مجددًا كمسرح لأحد أهم الاكتشافات الباليونتولوجية (علم الأحياء القديمة) لهذا العقد.

تشير الأبحاث الحديثة، التي قادتها البروفيسورة روان مارتيندايل (Rowan Martindale) من جامعة تكساس، إلى العثور على بنى تجعدية (Wrinkle Structures) غامضة محفوظة داخل طبقات صخرية تكونت في بيئات بحرية عميقة، وهو ما يتحدى النظريات التقليدية التي طالما ربطت هذه التشكيلات بالمياه الضحلة المضاءة بالشمس.

هذا الاكتشاف لا يمثل مجرد إضافة لسجل المغرب الأحفوري الثري، بل يفتح “بابًا جديدًا” لفهم كيف يمكن للحياة الميكروبية أن تزدهر وتُحفظ في بيئات قاسية ومظلمة، معتمدة على التخليق الكيميائي (Chemosynthesis) بدلاً من التمثيل الضوئي.

نناقش في هذا التحليل الأبعاد التقنية لهذا الاكتشاف وتداعياته على علوم البيولوجيا الفلكية (Astrobiology).

التحليل الجيولوجي: لغز “الرواسب العكرة” (Turbidites)

تكمن غرابة هذه الأحافير في سياقها الطبقي (Stratigraphic Context).

تقليديًا، يُنظر إلى الحصائر الميكروبية (Microbial Mats) التي تترك آثارًا “تجعدية” على أنها نتاج لبكتيريا ضوئية (Photosynthetic Bacteria) تعيش في مناطق المد والجزر أو المياه الضحلة (Photic Zone).

ومع ذلك، وُجدت العينات المغربية داخل رواسب التيارات العكرة (Turbidites)، وهي تكوينات جيولوجية ناتجة عن انهيارات أرضية تحت بحرية تنقل الرواسب من الجرف القاري إلى الأعماق السحيقة (Abyssal Zones).

  • المفارقة البيئية: وجود هذه الأحافير في طبقات عميقة (تكونت قبل نحو 180 مليون سنة خلال العصر الجوراسي، ولكنها تحاكي أنماطًا من حقبة الحياة القديمة) يشير إلى أن الكائنات الميكروبية لم تكن نواتج منقولة، بل كانت مستوطنة تكيفت مع الظلام الدامس والضغط العالي.
  • آلية الحفظ: يشير الفريق البحثي إلى أن هذه الكائنات كانت تعتمد على استقلاب كيميائي، ربما مستفيدة من المواد العضوية أو الكبريت والميثان المنبعث أو المترسب في تلك البيئات غير المستقرة.

إعادة تعريف “البصمات الحيوية” (Biosignatures)

بالنسبة للجمهور المختص، يمثل هذا الاكتشاف تحولًا في علم التأفونومي (Taphonomy) – علم دراسة تحلل وحفظ الأحافير.

إن العثور على “بنى تجعدية” في بيئات عميقة يعني أن وجود مثل هذه الآثار في السجل الصخري القديم (مثل العصر الإدياكاري أو الكامبري) لا يعني بالضرورة وجود مياه ضحلة، كما كان يُعتقد سابقًا.

الأبعاد العلمية: من المحيطات القديمة إلى المريخ

تتجاوز أهمية أحافير جبال الأطلس حدود الجيولوجيا الأرضية لتمس صميم البحث عن الحياة في الفضاء:

1. نموذج للحياة القاسية (Extremophiles): تثبت هذه الأحافير أن المجتمعات الميكروبية المعقدة يمكن أن تشكل مستعمرات واسعة النطاق في غياب الضوء.

هذا يعزز فرضية وجود حياة في محيطات الأقمار الجليدية (مثل قمر “أوروبا” للمشترى أو “إنسيلادوس” لزحل) حيث الطاقة كيميائية وليست شمسية.

2. دليل للبحث على المريخ: عند مسح صخور المريخ بحثًا عن آثار حياة سابقة، قد لا يتعين على الروبوتات (Rovers) البحث فقط عن أدلة المياه السطحية، بل أيضًا عن تكوينات جيولوجية تشبه الرواسب العكرة التي قد تحتضن آثارًا ميكروبية مشابهة لما وُجد في المغرب.

الاستنتاج: المغرب كمختبر جيولوجي عالمي

يؤكد هذا الاكتشاف، المنشور في دوريات جيولوجية مرموقة مثل Geology، على المكانة المركزية للمغرب كـ “مختبر مفتوح” لدراسة التطور البيولوجي.

من ثلاثيات الفصوص (Trilobites) المحفوظة بالرماد البركاني في العصر الكامبري، إلى الحصائر الميكروبية العميقة في الجوراسي، تستمر جبال الأطلس في تقديم بيانات تجريبية حاسمة تصحح مسار النظريات العلمية حول نشأة الحياة وتطورها.

 

أحافير كهرمان محفوظة بشكل لا يصدق

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE