optimized image 1771374231286
سجين الشقة رقم 4 والمحاكمة الأبدية: سر مخطوطات كافكا التي حرستها القطط (تحقيق المئوية)

سجين الشقة رقم 4 والمحاكمة الأبدية: سر مخطوطات كافكا التي حرستها القطط (تحقيق المئوية)

يُعد عام 2024 علامة فارقة في تاريخ الأدب العالمي، حيث وافق الذكرى المئوية لرحيل أديب براغ الاستثنائي “فرانتس كافكا“.

ومع هذا التاريخ، لم يُسدل الستار على أعماله، بل فُتحت أبواب جديدة للجحيم التأويلي والقانوني.

إن رواية “المحاكمة” (Der Process)، التي نُشرت بعد وفاته عام 1925، لم تكن مجرد سردية عن العبث البيروقراطي، بل كانت استشرافاً أو توقعا مرعباً لمصير مخطوطتها الأصلية التي خضعت لـ “تطورات قضائية مفاجئة” استمرت حتى الأشهر الأخيرة من عام 2025.

يهدف هذا المقال إلى تفكيك البنية الرمزية للرواية، وربطها بالتحقيقات الجنائية والأدبية الحديثة التي أُجريت على “أرشيف برود”، وكيف أعادت التكنولوجيا الحديثة تشكيل فهمنا لهذا النص الخالد.

أولاً: جذور الكابوس.. تشريح “المحاكمة”

تدور أحداث الرواية حول “جوزيف ك“، وكيل بنكي مرموق، يتم اعتقاله صباح عيد ميلاده الثلاثين لأسباب مجهولة.

  • رمزية “المحكمة”: المحكمة في عالم كافكا ليست مؤسسة حكومية، بل هي كيان يقع في السندرات (Attics) والشقق السكنية المتهالكة.
  • حكاية “أمام القانون”: في الفصل التاسع (في الكاتدرائية)، يروي القس لـ “جوزيف ك” أمثولة عن رجل ريفي يقف أمام “باب القانون” طوال حياته ممنوعاً من الدخول، ليعرف قبل موته بلحظات أن هذا الباب “كان مخصصاً له وحده”، هذا التحليل الوجودي يشير إلى أن العقبة أمام العدالة ليست خارجية فقط، بل هي “عجز داخلي” وشلل إرادي يصيب الإنسان الحديث.

ثانياً: التحقيق في كواليس الكتابة (الشيفرات المخفية)

كتب كافكا “المحاكمة” بين عامي 1914 و1915، تزامناً مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وفسخ خطوبته من “فيليس باور“.

تشير الدراسات النفسية (Biographical Criticism) إلى أن “المحاكمة” كانت محاكاة أدبية لمحاكمة “عائلية” خضع لها كافكا في فندق “أسكانيشر هوف” في برلين، حيث واجهته خطيبته وعائلتها بـ”تهمة” عدم قدرته على الالتزام بالزواج. شعر كافكا حينها أنه متهم مدان بلا ذنب، وحول هذا الشعور الشخصي إلى ملحمة قضائية كونية.

ثالثاً: رحلة المخطوطة.. من المحرقة إلى “قبو” تل أبيب

لعل القصة الأكثر إثارة من الرواية هي قصة المخطوطة ذاتها.

بدأت القصة بوصية الحرق الشهيرة التي طلب فيها كافكا من صديقه ماكس برود حرق كل شيء، لكن برود رفض.

ثم جاءت مرحلة التهريب، حيث هرب برود بالمخطوطات من براغ عام 1939 قبل ساعات من إغلاق النازيين للحدود التشيكية.

وانتهى المطاف بالمخطوطات في حقبة “إيفا هوف“، ابنة سكرتيرة برود، حيث تحولت المخطوطات إلى رهينة في شقة بـ”تل أبيب” تفتقر لأدنى معايير الحفظ، محاطة بعشرات القطط الضالة والنفايات.

رابعاً: التطورات القضائية المفاجئة (2016-2025)

شهدت السنوات الأخيرة معركة قانونية شرسة بين الدولة (ممثلة في المكتبة الوطنية الإسرائيلية) والورثة.

قضت المحكمة بأن كافكا لم يهدِ المخطوطات لـ”برود” كملكية خاصة، بل كـ”أمين” (Executor).

وبالتالي، فإن بيع مخطوطة “المحاكمة” للأرشيف الأدبي الألماني في مارباخ (مقابل حوالي 2 مليون دولار) كان قانونياً، لكن ما تبقى من أوراق يجب أن يعود للملكية العامة.

بعد وفاة إيفا هوف، دخل الخبراء الشقة وبدأت عملية “الإنقاذ الرقمي”.

وجدوا أوراقاً لا تقدر بثمن متعفنة أو تالفة جزئياً بسبب ظروف التخزين السيئة ومخلفات القطط وبدأت عملية ترميم معقدة انتهت في أواخر 2023، لتبدأ مرحلة التحليل العميق في 2024.

خاتمة: القضية لا تزال مفتوحة

إن التطورات القضائية حول إرث كافكا، والاكتشافات العلمية الحديثة، تثبت أن “المحاكمة” ليست كتاباً يُقرأ ويُغلق، بل هي كائن حي ينمو ويتغير.

لقد انتصر كافكا على الموت، وعلى النار، وعلى القضاء، ليظل واقفاً أمامنا كحارس البوابة، يذكرنا بأن العدالة المطلقة قد تكون وهماً، لكن البحث عنها هو قدرنا المحتوم.


ملخص رواية المسخ (The Metamorphosis)

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE