تجربة “الكهف الزمني” وعزلة الـ 500 يوم

optimized featured image 1770160874500
ما وراء حدود الإدراك: تحليل شامل لتجربة “الكهف الزمني” وعزلة الـ 500 يوم

ما وراء حدود الإدراك: تحليل شامل لتجربة “الكهف الزمني” وعزلة الـ 500 يوم

في سابقة علمية تُعد الأبرز في القرن الحادي والعشرين فيما يخص علم النفس الإدراكي والبيولوجيا الزمنية (Chronobiology)، اختتمت في أبريل 2023 تجربة فريدة من نوعها خاضتها الرياضية الإسبانية بياتريس فلاميني.

هذه التجربة لم تكن مجرد مغامرة فردية، بل كانت مشروعاً بحثياً متكاملاً تحت إشراف جامعتي غرناطة وألميريا، يهدف لاستكشاف حدود العقل البشري عند تجريده من أهم ركائزه: الوقت والتواصل الاجتماعي.

منهجية التجربة: العزل الحسي التام

بدأت التجربة في العشرين من نوفمبر 2021، حيث دخلت فلاميني (50 عاماً) كهفاً بعمق 70 متراً في مقاطعة غرناطة. صُممت التجربة بصرامة علمية لضمان عزل المتغيرات المؤثرة على الساعة البيولوجية:

  • الحرمان الزمني: غياب تام لأي أدوات قياس للوقت أو ضوء الشمس الطبيعي.
  • العزل المعلوماتي: انقطاع كامل عن أخبار العالم الخارجي (دخلت الكهف والعالم يصارع بقايا جائحة كورونا، وخرجت في واقع جيوسياسي مختلف تماماً).
  • المراقبة عن بعد: تم تثبيت كاميرات ومعدات لتسجيل النشاط الدماغي ومعدلات النوم دون تدخل بشري مباشر.

الظواهر النفسية والفسيولوجية المرصودة

كشفت البيانات الأولية وتصريحات فلاميني عقب خروجها عن مجموعة من الظواهر النفسية المعقدة التي أصابتها نتيجة العزلة الطويلة، والتي يمكن تصنيفها كالتالي:

1. تشوه الإدراك الزمني (Temporal Distortion)

أكثر النتائج إثارة للجدل كانت الفجوة الهائلة في تقدير الوقت.

فعندما نزل فريق الإنقاذ لاستخراجها في اليوم الخمسمائة، كانت فلاميني تعتقد أنها قضت ما يقارب 160 إلى 170 يوماً فقط. هذا الفارق الزمني الشاسع (حوالي 340 يوماً مفقوداً من وعيها) يشير إلى أن الدماغ البشري، في غياب المحفزات الخارجية (Zeitgebers)، يميل إلى إبطاء إحساسه بمرور الوقت، مما يجعل الدورات اليومية تمتد لساعات أطول بكثير من الـ 24 ساعة المعتادة.

2. الهلوسات السمعية والبصرية

أفادت فلاميني بتعرضها لنوبات من الهلوسة، حيث بدأت في سماع أصوات غير حقيقية ورؤية حشرات (مثل الذباب) تغطي المكان، وهو ما يفسره علماء النفس بظاهرة “الباريدوليا” أو محاولة الدماغ ملء الفراغ الحسي بمعلومات مختلقة للحفاظ على نشاطه.

3. التكيف العصبي وفقدان التوازن

عانت فلاميني من صعوبات في التوازن والحركة فور خروجها، بالإضافة إلى حساسية مفرطة للضوء.

والأهم من ذلك، أشارت إلى حالة من “التوقف الذهني”، حيث توقفت في مرحلة ما عن التفكير في المستقبل أو الماضي، وعاشت في “حاضر أبدي”، مما ساعدها على الصمود دون أن تصاب بالجنون.

الأهمية العلمية للتجربة

تُعد تجربة فلاميني تحديثاً جوهرياً لتجارب العزلة الكلاسيكية التي أجراها ميشيل سيفر في الستينيات.

البيانات التي جمعها فريق جامعة غرناطة ستساهم في:

  • فهم كيفية تأثير العزلة الطويلة على رواد الفضاء في الرحلات المستقبلية للمريخ.
  • دراسة تأثير اضطراب الساعة البيولوجية على الشيخوخة والقدرات العقلية.
  • تحليل قدرة الدماغ على “المرونة العصبية” في الظروف القاسية.

في الختام، تظل تجربة بياتريس فلاميني دليلاً حياً على قوة العقل البشري وهشاشته في آن واحد.

لقد أثبتت أن “الزمن” ليس مفهوماً مطلقاً كما نتوهم، بل هو بناء عقلي قابل للتمدد والانكماش، وأن الإنسان قادر على التكيف مع أكثر الظروف قسوة، شريطة أن يمتلك الاستعداد النفسي المسبق.

 

تجارب قاسية تجربة التوائم الثلاثة

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE