maxresdefault
صفقة الموت الصامتة: القصة الكاملة للتوأم ‘جون وجينيفر’ ولغز التضحية النفسية الغامضة

صفقة الموت الصامتة: القصة الكاملة للتوأم ‘جون وجينيفر’ ولغز التضحية النفسية الغامضة

 

المقدمة: في دهاليز النفس البشرية

في أعماق النفس البشرية تكمن أسرار تعجز أحياناً مشرط الجراح ونظريات علم النفس التقليدي عن تفسيرها.

ولعل ظاهرة “الذهان المشترك” (Folie à deux) تعد من أكثر تلك الظواهر تعقيداً، لكن التاريخ لم يشهد حالة تجسدت فيها هذه الظاهرة بدموية وغموض كما حدث في قصة “التوأم الصامت”، جون وجينيفر جيبونز.

قصة تتشابك فيها خيوط العبقرية مع الجنون، والحب مع الكراهية، لتنتهي بنهاية تراجيدية لا تزال تثير الجدل حتى يومنا هذا.

الجذور: العزلة وبناء العالم الخاص

ولدت الشقيقتان في عام 1963، وانتقلت العائلة من منطقة الكاريبي إلى ويلز في المملكة المتحدة.

في مجتمع قروي ضيق الأفق، عانت الفتاتان من تنمر عنصري قاسٍ لكونهما العائلة السمراء الوحيدة في المنطقة وكان رد فعلهما النفسي آلية دفاعية متطرفة؛ الاننسحاب الكلي من العالم الخارجي.

رفضت جون وجينيفر التحدث لأي شخص، بما في ذلك والديهما في كثير من الأحيان وطورتا لغة خاصة تعرف علمياً بـ “Cryptophasia”، وهي مزيج من الإنجليزية السريعة جداً ولهجة باربادوس مع حركات تعبيرية متزامنة، مما جعل التواصل معهما مستحيلاً لأي طرف ثالث.

 

المرآة القاتلة: الصراع النفسي الداخلي

لم تكن علاقتهما مجرد حب أخوي، بل كانت اعتماداً مرضياً مدمراً وكانت كل منهما ترى في الأخرى انعكاساً مشوهاً لنفسها وتشير مذكراتهما التي تم العثور عليها لاحقاً إلى صراع داخلي مرير؛ فبينما كانتا لا تستطيعان العيش منفصلتين، كانت كل منهما تشعر أن وجود الأخرى يمتص حياتها وشخصيتها.

كتبت جينيفر في مذكراتها عبارة تقشعر لها الأبدان: “لقد أصبحنا عدوتين قاتلتين لبعضنا البعض, نحن نشعر بأشعة الموت تخرج من أجسادنا لتلدغ جلد الأخرى, أقول لنفسي: هل يمكنني التخلص من ظلي؟ هل يمكنني العيش بدون ظلي؟ ولكن بدون ظلي، هل سأموت؟ بدون ظلي، هل سأكتسب الحياة؟”.

 

من الأدب إلى الجريمة: الصرخة المكبوتة

في محاولة لكسر طوق الصمت، اتجهت الفتاتان للكتابة, ألفتا روايات وقصصاً تميزت بالعنف والسوداوية والرغبات المكبوتة, وعندما لم يحقق الأدب “الاعتراف” الذي بحثتا عنه، قررتا الانتقال من الجريمة على الورق إلى الجريمة في الواقع.

سلسلة من عمليات الحرق العمد والسرقة قادتهما إلى القبض عليهما في عام 1981، ومن ثم إيداعهما في مستشفى “برودمور” للصحة العقلية شديد الحراسة، حيث قضتا 11 عاماً، وتم تشخيصهما بالفصام.

الميثاق الأخير: موت من أجل الحياة

خلال سنوات الاحتجاز، ازدادت قناعتهما بفكرة مرعبة: لكي تعيش إحداهما حياة طبيعية، يجب أن تموت الأخرى, كان هذا “ميثاقاً صامت” بينهما.

في مارس 1993، تقرر نقل التوأم إلى عيادة أقل حراسة, قبل الرحلة، أخبرت جينيفر الصحفية مارجوري والاس (التي كانت توثق قصتهما) بعبارة غريبة: “مارجوري، سأموت أخيراً.. لقد قررنا ذلك”.
بمجرد وصول سيارة النقل إلى الوجهة الجديدة، وجد الأطباء أن جينيفر قد فارقت الحياة.

اللغز الطبي والتحرر

كشف التشريح عن سبب الوفاة: التهاب حاد في عضلة القلب (Acute Myocarditis) ولم يتم العثور على أي أثر لسموم أو مخدرات في جسدها, كان موتاً فسيولوجياً مفاجئاً، وكأن جسدها استجاب ببساطة لقرار عقلها بالرحيل.

المفاجأة الأكبر كانت في رد فعل جون – بعد فترة وجيزة من وفاة توأمها، بدأت تتحدث بطلاقة ووضوح مع الجميع. وصرحت قائلة: “أنا حرة أخيراً، لقد تخلت جينيفر عن حياتها من أجلي”.

خاتمة

تعيش جون اليوم حياة هادئة ومستقلة في غرب ويلز، بعيدة عن أسوار الصمت التي سجنتها لعقود.

تبقى قصة “التوأم الصامت” وثيقة دامغة على قوة العقل الباطن، وتذكيراً بأن الروابط الإنسانية قد تصل لمراحل من التعقيد يعجز العلم المجرد عن فك شفرتها بالكامل. إنها قصة تضحية، جنون، وتحرر، دفعت ثمنها فتاة شابة بحياتها، لتمنح الحياة لأختها.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE