تجارب قاسية – تجربة التوائم الثلاثة

story image 1770159340864 1
لصوص الأقدار: القصة الكاملة لتجربة التوائم الثلاثة (Three Identical Strangers)


لصوص الأقدار: القصة الكاملة لتجربة التوائم الثلاثة التي هزت أركان علم النفس الأخلاقي

 

في سجلات التاريخ العلمي، توجد صفحات مشرقة ساهمت في نهضة البشرية، وأخرى مظلمة تلطخت بانتهاك أقدس ما يملكه الإنسان: حريته وهويته.

لعل واحدة من أكثر تلك القصص إثارة للجدل والأسى في العصر الحديث هي قصة “التوائم الثلاثة المتطابقين” (Three Identical Strangers)؛ قصة لم تكن مجرد دراما عائلية، بل كانت مسرحاً لتجربة نفسية سرية عبثت بمصائر البشر تحت غطاء البحث العلمي.

الصدفة التي كشفت المستور

في خريف عام 1980، التحق شاب يدعى “روبرت شافران” (19 عاماً) بكلية مجتمع سوليفان في نيويورك.

منذ لحظة وصوله، قوبل بترحيب حار ومريب من قبل طلاب لم يلتقِ بهم من قبل، ينادونه باسم “إيدي“.

قاده الفضول والدهشة للقاء الطالب المقصود، “إيدي جالاند“.


كانت اللحظة التي التقى فيها الشابان بمثابة انشقاق في جدار الواقع؛ فقد كانا نسختين متطابقتين في كل شيء، من الملامح الجسدية إلى الإيماءات العفوية. وسرعان ما أكدت التحقيقات أنهما توأمان فُصلا عند الولادة.

لم تتوقف عجلة المفاجآت هنا – فبعد نشر قصتهما في الصحف المحلية، وقعت عينا شاب ثالث يدعى “ديفيد كيلمان” على الصورة، ليدرك أنه الضلع الثالث لهذا المثلث البشري.

اجتمع الثلاثة، روبرت، إيدي، وديفيد، ليصبحوا حديث الساعة في الولايات المتحدة، ورمزاً لروعة الصدف القدرية. لكن، خلف تلك الابتسامات المتطابقة، كان هناك سر قاتم يتربص.

 

المؤامرة العلمية: الطبيعة مقابل التنشئة

مع تعمق الإخوة وآبائهم بالتبني في البحث عن سبب انفصالهم، تكشفت الحقيقة المروعة.

لم يكن الانفصال عشوائياً، بل كان هندسة اجتماعية متعمدة دبرها الطبيب النفسي المرموق “بيتر نيوباور” بالتعاون مع وكالة التبني “لويز وايز”.


كان الهدف من التجربة الإجابة عن السؤال الكلاسيكي في علم النفس: “أيهما يؤثر أكثر في تشكيل شخصية الإنسان: الجينات الوراثية (الطبيعة) أم البيئة والتربية (التنشئة)؟“.

لتحقيق ذلك، تم وضع الأطفال الثلاثة في بيئات اجتماعية واقتصادية متباينة تماماً ومخطط لها بعناية:
ديفيد: نشأ في أسرة من الطبقة العاملة، حيث الكفاح اليومي ومستوى التعليم المحدود.
إيدي: نشأ في أسرة من الطبقة المتوسطة، تميزت بتربية محافظة وأب صارم للغاية.
روبرت: حظي بتبني عائلة ثرية، حيث والده طبيب والبيئة الاجتماعية راقية ومنفتحة.

على مدار سنوات طفولتهم، زار باحثون منازلهم بانتظام بحجة إجراء “دراسات نمو روتينية”، مسجلين سلوكياتهم، ومشاعرهم، وتطورهم النفسي، دون أن يخبروا العائلات أو الأطفال بوجود أشقاء لهم، أو بأنهم مجرد “عينات بحثية”.

 

النتائج الكارثية والثمن الباهظ

أثبتت التجربة، بطريقة مأساوية، أن الروابط الجينية أقوى مما كان يُعتقد، لكنها كشفت أيضاً عن هشاشة النفس البشرية أمام التلاعب.

عانى الثلاثة في طفولتهم من نوبات اكتئاب وقلق، وسلوكيات إيذاء للنفس، فسرها الأطباء لاحقاً بأنها “ألم الانفصالاللاواعي.

بعد لم الشمل، عاش الإخوة فترة من النشوة والشهرة، وافتتحوا مطعماً شهيراً.

ولكن، سرعان ما بدأت الاختلافات في التنشئة تظهر على السطح، وتفاقمت المشاكل النفسية المتجذرة.

كانت الضريبة الأقسى من نصيب “إيدي جالاند“، الذي عانى من اكتئاب حاد لم يتمكن من تجاوزه، لينتهي الأمر بانتحاره عام 1995، تاركاً خلفه شقيقين محطمين وحقيقة مرة: العلم قد قتل أخاهم.

الأرشيف المشمع بالشمع الأحمر

ما يثير الغضب والحيرة حتى يومنا هذا، هو أن نتائج هذه الدراسة لم تُنشر رسمياً قط.

لقد أدرك القائمون عليها فداحة الخطأ الأخلاقي الذي ارتكبوه، أو ربما وجدوا نتائج لا تروق لهم.

وقبل وفاته، أودع الدكتور “نيوباور” جميع السجلات والملفات الخاصة بالتجربة في جامعة “ييل”، مشترطاً عدم فتحها أو الاطلاع عليها حتى عام 2066، لضمان وفاة جميع الأطراف المعنية بالقضية.

قصة “التوائم الثلاثة” تظل وصمة عار تذكرنا بأنه لا قيمة لأي تقدم علمي إذا داس في طريقه على إنسانية البشر، وحولهم من “أرواح” لها قدسيتها إلى مجرد “أرقام” في معادلات باردة.

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE